(إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(49)
يَتَعَلَّقُ (إِذْ يَقُولُ) بِأَقْرَبِ الْأَفْعَالِ إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) [الْأَنْفَال: 48] مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْعَالِ، لِأَنَّ إِذْ لَا تَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنَ الْمُقَارَنَةِ فِي الزَّمَانِ بَيْنَ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ وَبَيْنَ مُتَعَلَّقِهَا، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ وَاقِعًا فِي وَقْتِ تَزْيِينِ الشَّيْطَانِ أَعْمَالَ الْمُشْرِكِينَ.
وَ «الْقَوْلُ» هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ: الشَّامِلُ لِحَدِيثِ النَّفْسِ، لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَهُمْ طَائِفَةٌ غَيْرُ الْمُنَافِقِينَ، بَلْ هُمْ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنِ الْإِيمَانُ مِنْ قُلُوبِهِمْ فَيَقُولُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا لَهُمْ مِنَ الشَّكِّ فِي صِدْقِ وَعْدِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُوَالِينَ لِلْمُنَافِقِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَحَدَّثُوا بِهِ بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ.
وَ «الْمَرَضُ» هُنَا مَجَازٌ فِي اخْتِلَالِ الِاعْتِقَادِ، شُبِّهَ بِالْمَرَضِ بِوَجْهِ سُوءِ عَاقِبَتِهِ عَلَيْهِمْ.
وَأَشَارُوا بِـ (هؤُلاءِ) إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ، وَقَدْ جَرَتِ الْإِشَارَةُ عَلَى غَيْرِ مُشَاهَدٍ، لِأَنَّهُمْ مَذْكُورُونَ فِي حَدِيثِهِمْ أَوْ مُسْتَحْضَرُونَ فِي أَذْهَانِهِمْ، فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْحَاضِرِ الْمُشَاهِدِ لَهُمْ وَهُمْ يَتَعَارَفُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْإِشَارَةِ فِي حَدِيثِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ.
والغرور: الْإِيقَاعُ فِي الْمَضَرَّةِ بِإِيهَامِ الْمَنْفَعَةِ.
وَالدّين هُوَ الْإِسْلَامُ، وَإِسْنَادُهُمُ الْغُرُورَ إِلَى الدِّينِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ بِالنَّصْرِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الْأَنْفَال: 65] الْآيَةَ، أَيْ غَرَّهُمْ ذَلِكَ فَخَرَجُوا وَهُمْ عَدَدٌ قَلِيلٌ لِلِقَاءِ جَيْشٍ كَثِيرٍ، وَالْمَعْنَى: إِذْ يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَقَبْلَ حُصُولِ النَّصْرِ.
فَإِطْلَاقُ الْغُرُورِ هُنَا مَجَازٌ، وَإِسْنَادُهُ إِلَى الدِّينِ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ.
وَجُمْلَةُ: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) مَسُوقَةٌ لِبَيَانِ عِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُسْلِمِينَ، وَلِلِامْتِنَانِ عَلَيْهِمْ.
وَجُعِلَ قَوْلُهُ: (فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) جَوَابًا لِلشَّرْطِ بِاعْتِبَارِ لَازِمِهِ وَهُوَ عِزَّةُ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ وَإِلْفَائِهِ مُنْجِيًا مِنْ مَضِيقِ أَمْرِهِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَوَابِ وَهَذَا مِنْ وُجُوهِ الْبَيَانِ وَهُوَ كَثِيرُ الْوُقُوعِ فِي الْقُرْآنِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
مَنْ يَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمًا ... يَلْقَ السَّمَاحَةَ فِيهِ وَالنَّدَى خُلُقَا
أَيْ يَنَلْ مِنْ كَرَمِهِ وَلَا يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.