فهرس الكتاب

الصفحة 1079 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 234]

(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(234)

وَتَأْنِيثُ اسْمِ الْعَدَدِ فِي قَوْلِهِ: (وَعَشْرًا) لِمُرَاعَاةِ اللَّيَالِي، وَالْمُرَادُ: اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا إِذْ لَا تَكُونُ لَيْلَةٌ بِلَا يَوْمٍ وَلَا يَوْمٌ بِلَا لَيْلَةٍ، وَالْعَرَبُ تَعْتَبِرُ اللَّيَالِيَ فِي التَّارِيخِ وَالتَّأْجِيلِ، يَقُولُونَ: كَتَبَ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ فِي شَهْرِ كَذَا، وَرُبَّمَا اعْتَبَرُوا الْأَيَّامَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ) [الْبَقَرَة: 196] وَقَالَ: (أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ) [الْبَقَرَة: 184] لِأَنَّ عَمَلَ الصِّيَامِ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْيَوْمِ لَا فِي اللَّيْلَةِ.

قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : وَالْعَرَبُ تُجْرِي أَحْكَامَ التَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ فِي أَسْمَاءِ الْأَيَّامِ إِذَا لَمْ تَجْرِ عَلَى لَفْظٍ مَذْكُورٍ، بِالْوَجْهَيْنِ قَالَ تَعَالَى: (يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) [طه: 103 - 104] فَأَرَادَ بِالْعَشْرِ: الْأَيَّامَ وَمَعَ ذَلِكَ جَرَّدَهَا مِنْ عَلَامَةِ تَذْكِيرِ الْعَدَدِ، لِأَنَّ الْيَوْمَ يُعْتَبَرُ مَعَ لَيْلَتِهِ.

وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ مَنُوطَةً بِالْأَمَدِ الَّذِي يَتَحَرَّكُ فِي مِثْلِهِ الْجَنِينُ تَحَرُّكًا بَيِّنًا، مُحَافَظَةً عَلَى أَنْسَابِ الْأَمْوَاتِ فَإِنَّهُ جَعَلَ عِدَّةَ الطَّلَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ دَلَالَةً ظَنِّيَّةً وَهُوَ الْأَقْرَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ يَعْلَمُ حَالَ مُطَلَّقَتِهِ مِنْ طُهْرٍ وَعَدَمِهِ، وَمِنْ قُرْبَانِهِ إِيَّاهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ وَعَدَمِهِ، وَكَذَلِكَ الْعُلُوقُ لَا يَخْفَى فَلَوْ أَنَّهَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ نَسَبًا وَهُوَ يُوقِنُ بِانْتِفَائِهِ، كَانَ لَهُ فِي اللِّعَانِ مَنْدُوحَةٌ، أَمَّا الْمَيِّتُ فَلَا يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَجُعِلَتْ عِدَّتُهُ أَمَدًا مَقْطُوعًا بِانْتِفَاءِ الْحَمْلِ فِي مِثْلِهِ وَهُوَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وَالْعَشَرَةُ، فَإِنَّ الْحَمْلَ يَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَمَا بَيْنَ اسْتِقْرَارِ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ إِلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِي الْجَنِينِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَإِذْ قَدْ كَانَ الْجَنِينُ عَقِبَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ يَقْوَى تَدْرِيجًا، جُعِلَتِ الْعَشْرُ اللَّيَالِي الزَّائِدَةَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهَرِ، لِتَحَقُّقِ تَحَرُّكِ الْجَنِينِ تَحَرُّكًا بَيِّنًا، فَإِذَا مَضَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ حَصَلَ الْيَقِينُ بِانْتِفَاءِ الْحَمْلِ إِذْ لَوْ كَانَ

ثَمَّةَ حَمْلٌ لَتَحَرَّكَ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ يَتَحَرَّكُ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَزِيدَتْ عَلَيْهَا الْعَشْرُ احْتِيَاطًا لِاخْتِلَافِ حَرَكَاتِ الْأَجِنَّةِ قُوَّةً وَضَعْفًا، بِاخْتِلَافِ قُوَى الْأَمْزِجَةِ.

وَأُسْنِدَ الْبُلُوغُ إِلَيْهِنَّ وَأُضِيفَ الْأَجَلُ إِلَيْهِنَّ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَشَقَّةً هَذَا الْأَجَلِ عَلَيْهِنَّ.

وَمَعْنَى الْجُنَاحِ هُنَا: الْحَرَجُ، لِإِزَالَةِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ مِنِ اسْتِفْظَاعِ تَسَرُّعِ النِّسَاءِ إِلَى التَّزَوُّجِ بَعْدَ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ، فَإِنَّ أَهْلَ الزَّوْجِ الْمُتَوَفَّى قَدْ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَنَفَى اللَّهُ هَذَا الْحَرَجَ، وَقَالَ: (فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) تَغْلِيظًا لِمَنْ يَتَحَرَّجُ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ تَعَلُّقٍ شَدِيدٍ بِعَهْدِ زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى، لَكَانَ دَاعِيَ زِيَادَةِ تَرَبُّصِهَا مِنْ نَفْسِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِك الدَّاعِي، فَلِمَاذَا التَّحَرُّجُ مِمَّا تَفْعَلُهُ فِي نَفْسِهَا.

ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ وَقَيَّدَهُ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَعْرُوفِ نَهْيًا لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفْعَلَ مَا لَيْسَ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَرْعًا وَعَادَةً، كَالْإِفْرَاطِ فِي الْحُزْنِ الْمُنكر شرعا وَعَادَة، أَوِ التَّظَاهُرِ بِتَرْكِ التَّزَوُّجِ بَعْدَ زَوْجِهَا، وَتَغْلِيظًا لِلَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلَى النِّسَاء تسرعهن للتزوج بَعْدَ الْعِدَّةِ، أَوْ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ، كَمَا فَعَلَتْ سُبَيْعَةُ أَيْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ.

وَقَدْ دَلَّ مَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) عَلَى أَنَّهُنَّ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ مَنْهِيَّاتٌ عَنْ أَفْعَالٍ فِي أَنْفُسِهِنَّ كَالتَّزَوُّجِ وَمَا يَتَقَدَّمُهُ مِنِ الْخِطْبَةِ وَالتَّزَيُّنِ، فَأَمَّا التَّزَوُّجُ فِي الْعِدَّةِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَنْعِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت