(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ(109)
وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ مَا اقْتَرَحُوهُ على الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنُونَ بِهَا خَارِقَ عَادَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَجَابَ مُقْتَرَحَهُمْ لِيُصَدِّقَ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَلِذَلِكَ نُكِّرَتْ (آيَةٌ) يَعْنِي: أَيَّةَ آيَةٍ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ مَا تَنْحَصِرُ فِيهِ الْآيَاتُ فِي زَعْمِهِمْ.
وَمَجِيءُ الْآيَةِ مُسْتَعَارٌ لِظُهُورِهَا لِأَنَّ الشَّيْءَ الظَّاهِرَ يُشْبِهُ حُضُورَ الْغَائِبِ فَلِذَلِكَ يُسْتَعَارُ لَهُ الْمَجِيءُ.
وَمَعْنَى كَوْنِ الْآيَاتِ عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ الْآيَاتِ مِنْ آثَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، فَأَسْبَابُ إِيجَادِ الْآيَاتِ مِنْ صِفَاتِهِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ شُبِّهَتْ بِالْأُمُورِ الْمُدَّخَرَةِ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ إِذَا شَاءَ إبرازها أبرزها لِلنَّاسِ، فَكَلِمَةُ عِنْدَ هُنَا مَجَازٌ.
اسْتُعْمِلَ اسْمُ الْمَكَانِ الشَّدِيدِ الْقُرْبِ فِي مَعْنَى الِاسْتِبْدَادِ وَالِاسْتِئْثَارِ مَجَازًا مُرْسَلًا، لِأَنَّ الِاسْتِئْثَارَ مِنْ لَوَازِمِ حَالَةِ الْمَكَانِ الشَّدِيدِ الْقُرْبِ عُرْفًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ) [الْأَنْعَام: 59] .
وَالْحَصْرُ بِـ (إِنَّمَا) رَدَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ظَنَّهُمْ بِأَنَّ الْآيَاتِ فِي مَقْدُور النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ كَانَ نَبِيئًا فَجَعَلُوا عَدَمَ إِجَابَة النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتِرَاحَهُمْ آيَةً أَمَارَةً عَلَى انْتِفَاءِ نُبُوءَتِهِ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَاتِ عِنْدَ اللَّهِ لَا عِنْدَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُظْهِرُهُ مِنَ الْآيَاتِ.
(وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ)
وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّنَا نَأْتِيكُمْ بِآيَةٍ كَمَا تُرِيدُونَ.