فهرس الكتاب

الصفحة 3605 من 4110

[سُورَة الْأَنْفَال(8): الْآيَات 55 إِلَى 56]

(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(55) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56)

اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى ذِكْرِ كُفَّارٍ آخَرِينَ هُمُ الَّذِينَ بَيَّنَهُمْ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ) الْآيَةَ.

وَهَؤُلَاءِ عَاهَدُوا النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ، وَهُمْ مُسْتَمِرُّونَ عَلَى الْكُفْرِ.

وإنّما وَصفهم بـ (شَرَّ الدَّوَابِّ) لِأَنَّ دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ أَظْهَرُ مِنْ دَعْوَةِ الْأَدْيَانِ السَّابِقَةِ، وَمُعْجِزَةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْطَعُ، وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى أَحَقِّيَّةِ الْإِسْلَامِ دَلَالَةٌ عَقْلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ، فَمَنْ يَجْحَدُهُ فَهُوَ أَشْبَهُ بِمَا لَا عَقْلَ لَهُ، وَقَدِ انْدَرَجَ الْفَرِيقَانِ مِنَ الْكُفَّارِ فِي جِنْسِ شَرَّ الدَّوَابِّ.

وَتَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ بِالْمَوْصُولِيَّةِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ شَرُّ الدَّوَابِّ.

وَأَتَى بِصِلَةِ (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإِفَادَةِ ثُبُوتِ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مَرْجُوٍّ مِنْهُمُ الْإِيمَانُ.

فَإِنَّ تَقْدِيمَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ الْمَنْفِيِّ مَعَ عَدَمِ إِيلَاءِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ حَرْفَ النَّفْيِ، لِقَصْدِ إِفَادَةِ تَقْوِيَةِ نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ، أَيِ الَّذِينَ يَنْتَفِي الْإِيمَانُ مِنْهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ انْتِفَاءً قَوِيًّا فَهُمْ بُعَدَاءُ عَنْهُ أَشَدَّ الِابْتِعَادِ.

وَلَيْسَ التَّقْدِيمُ هُنَا مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الصِّلَةِ، وَلِأَنَّ الْأَكْثَرَ فِي تَقْدِيمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ الْمَنْفِيِّ، إِذَا لَمْ يَقَعِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَقِبَ حَرْفِ النَّفْيِ، أَنْ لَا يُفِيدَ تَقْدِيمُهُ إِلَّا التَّقَوِّيَ، دُونَ التَّخْصِيصِ، وَذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) [الْبَقَرَة: 272] إِذْ لَا يُرَادُ وَأَنْتُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ لَا تُظْلَمُونَ.

وتعدية (عاهَدْتَ) بِـ (مِنْ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْعَهْدَ كَانَ يَتَضَمَّنُ الْتِزَامًا مِنْ جَانِبِهِمْ، لِأَنَّهُ يُقَالُ أَخَذْتُ مِنْهُ عَهْدًا، أَيِ الْتِزَامًا، وَلَيْسَتْ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةً لِعَدَمِ مَتَانَةِ الْمَعْنَى إِذْ يَصِيرُ الذَّمُّ مُتَوَجِّهًا إِلَى بَعْضِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ قُرَيْظَةُ فَإِنَّهُمْ عَاهَدُوا النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُحَارِبُوهُ وَلَا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوَّهُ، ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ فَأَمَدُّوا الْمُشْرِكِينَ بِالسِّلَاحِ وَالْعُدَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَاعْتَذَرُوا فَقَالُوا: نَسِينَا وَأَخْطَأْنَا، ثُمَّ عَاهَدُوهُ أَنْ لَا يَعُودُوا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَنَكَثُوا عَهْدَهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَمَالُوا مَعَ الْأَحْزَابِ، وَأَمَدُّوهُمْ بِالسِّلَاحِ وَالْأَدْرَاعِ.

وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِمْ قُرَيْظَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ بَعْضِ قَبَائِلِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَخَصُّهَا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ كَانُوا يُعَاهِدُونَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ) [التَّوْبَة: 12] الْآيَةَ.

وَقَدْ نَقَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ عَهْدَ النُّصْرَةِ فِي أحد، فانخزل بِمَنْ مَعَهُ وَكَانُوا ثُلُثَ الْجَيْشِ.

وَقَدْ ذُكِرَ، فِي أَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ عَهْدُ فِرَقٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

وَهَذَا هُوَ الْأَنْسَبُ بِإِجْرَاءِ صِلَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْكُفْرَ غَلَبَ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ.

وَالتَّعْبِيرُ، فِي جَانِبِ نَقْضِهِمُ الْعَهْدَ، بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَتَجَدَّدُ مِنْهُمْ وَيَتَكَرَّرُ، بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْتَهُونَ عَنْهُ، فَهُوَ تَعْرِيضٌ بِالتَّأْيِيسِ مِنْ وَفَائِهِمْ بِعَهْدِهِمْ، وَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ) إِلَخْ.

فَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ وَيَنْقُضُونَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.

وَالْمُرَادُ بِـ (كُلِّ مَرَّةٍ) كُلُّ مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ الَّتِي يَحِقُّ فِيهَا الْوَفَاءُ بِمَا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ تَكَرَّرَ الْعَهْدُ أَمْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، لِأَنَّ الْعَهْدَ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي الْوَفَاءَ كُلَّمَا دَعَا دَاعٍ إِلَيْهِ.

وَجُمْلَةُ: (وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ) دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ انْتِفَاءَ التَّقْوَى عَنْهُمْ صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ مِنْهُمْ، وَمَلَكَةٌ فِيهِمْ، بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ الْمَنْفِيِّ مِنْ تَقَوِّي الْحُكْمِ.

وَوُقُوعُ فِعْلِ (يَتَّقُونَ) فِي حَيِّزِ النَّفْيِ يَعُمُّ سَائِرَ جِنْسِ الِاتِّقَاءِ وَهُوَ الْجِنْسُ الْمُتَعَارَفُ مِنْهُ، الَّذِي يتهمّم بِهِ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ وَالْمُتَدَيِّنُونَ، فَيَعُمُّ اتِّقَاءَ اللَّهِ وَخَشْيَةَ عِقَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَعُمُّ اتِّقَاءَ الْعَارِ، وَاتِّقَاءَ الْمَسَبَّةِ وَاتِّقَاءَ سُوءِ السمعة.

فإنّ الخسيس بِالْعَهْدِ، وَالْغَدْرَ، مِنَ الْقَبَائِحِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَحْلَامِ، وَعِنْدَ الْعَرَبِ أَنْفُسِهِمْ، وَلِأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِنَقْضِ الْعَهْدِ عَدِمَ مَنْ يَرْكَنُ إِلَى عَهْدِهِ وَحِلْفِهِ، فَيَبْقَى فِي عُزْلَةٍ مِنَ النَّاسِ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ قَدْ غَلَبَهُمُ الْبُغْضُ فِي الدِّينِ، فَلَمْ يَعْبَأُوا بِمَا يَجُرُّهُ نَقْضُ الْعَهْدِ، مِنَ الْأَضْرَارِ لَهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت