فهرس الكتاب

الصفحة 3698 من 4110

[سُورَة التَّوْبَة(9): آيَة 16]

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ(16)

(أَمْ) مُنْقَطِعَةٌ لِإِفَادَةِ الْإِضْرَابِ عَنْ غَرَضٍ مِنَ الْكَلَامِ لِلِانْتِقَالِ إِلَى غَرَضٍ آخَرَ.

وَالْكَلَامُ بَعْدَ أَمْ الْمُنْقَطِعَةِ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِفْهَامِ دَائِمًا، فَقَوْلُهُ: (حَسِبْتُمْ) فِي قُوَّةِ (أَحَسِبْتُمْ) وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُقَدَّرُ إِنْكَارِيٌّ.

وَالْخِطَابُ لِلْمُسْلِمِينَ، عَلَى تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِمْ فِي مُدَّةِ إِسْلَامِهِمْ، فَشَمِلَ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ.

وَحَسِبْتُمْ: ظَنَنْتُمْ.

وَالتَّرْكُ افْتِقَادُ الشَّيْءِ وَتَعَهُّدُهُ، أَيْ: أَنْ يَتْرُكَكُمُ اللَّهُ، فَحُذِفَ فَاعِلُ التَّرْكِ لِظُهُورِهِ.

وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (تُتْرَكُوا) فِي الْآيَةِ: لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، أَيْ أَنْ تُتْرَكُوا دُونَ جِهَادٍ، أَيْ أَنْ تُتْرَكُوا فِي دَعَةٍ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.

وَالْمَعْنَى: كَيْفَ تَحْسَبُونَ أَنْ تُتْرَكُوا، أَيْ لَا تَحْسَبُوا أَنْ تُتْرَكُوا دُونَ جِهَادٍ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَجُمْلَةُ (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ) أَيْ لَا تَظُنُّوا أَنْ تُتْرَكُوا فِي حَالِ عَدَمِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِوُقُوعِ ابْتِدَارِ الْمُجَاهِدِينَ لِلْجِهَادِ، وَحُصُولِ تَثَاقُلِ مَنْ تَثَاقَلُوا، وَحُصُولِ تَرْكِ الْجِهَادِ مِنَ التَّارِكِينَ.

و (لَمَّا) حَرْفٌ لِلنَّفْيِ، وَهِيَ أُخْتُ (لَمْ) .

وَمَعْنَى عِلْمِ اللَّهِ بِالَّذِينَ جَاهَدُوا: عِلْمُهُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَحُصُولِ امْتِثَالِهِمْ، وَهُوَ مِنْ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ بِالْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ عِلْمِهِ تَعَالَى الْأَزَلِيِّ بِأَنَّ الشَّيْءَ يَقَعُ أَوْ لَا يَقَعُ، وَيَجْدُرُ أَنْ يُوصَفَ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ.

وَ (الْوَلِيجَةُ) فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، أَيِ الدَّخِيلَةُ، وَهِيَ الْفِعْلَةُ الَّتِي يُخْفِيهَا فَاعِلُهَا، فَكَأَنَّهُ يُولِجُهَا، أَيْ يُدْخِلُهَا فِي مَكْمَنٍ بِحَيْثُ لَا تَظْهَرُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا: مَا يَشْمَلُ الْخَدِيعَةَ وَإِغْرَاءَ الْعَدُوِّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَمَا يَشْمَلُ اتِّخَاذَ أَوْلِيَاءَ مِنْ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ يُخْلِصُ إِلَيْهِمْ وَيُفْضِي إِلَيْهِمْ بِسِرِّ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ تَنْكِيرَ وَلِيجَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يَعُمُّ سَائِرَ أَفْرَادِهَا.

وَجُمْلَةُ (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) تَذْيِيلٌ لِإِنْكَارِ ذَلِكَ الْحُسْبَانِ، أَيْ: لَا تَحْسَبُوا ذَلِكَ مَعَ عِلْمِكُمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِكُلِّ مَا تعملونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت