فهرس الكتاب

الصفحة 3789 من 4110

[سُورَة التَّوْبَة(9): آيَة 55]

(فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ(55)

تَفْرِيعٌ عَلَى مَذَمَّةِ حَالِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَأَنَّ وَفْرَةَ أَمْوَالِهِمْ لَا تُوجِبُ لَهُمْ طُمَأْنِينَةَ بَالٍ، بِإِعْلَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَا يَرَوْنَ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ فِيهِ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ إِعْجَابِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ يَحْسَبُوا الْمُنَافِقِينَ قَدْ نَالُوا شَيْئًا مِنَ الْحَظِّ الْعَاجِلِ بِبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ فِي عَذَابِهِمْ فِي الدُّنْيَا.

فَالْخِطَابُ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ.

وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ كَشَفَ سِرًّا مِنْ أَسْرَارِ نُفُوسِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّهُ خَلَقَ فِي نُفُوسِهِمْ شُحًّا وَحِرْصًا عَلَى الْمَالِ وَفِتْنَةً بِتَوْفِيرِهِ وَالْإِشْفَاقِ مِنْ ضَيَاعِهِ، فَجَعَلَهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي عَنَاءٍ وَعَذَابٍ مِنْ جَرَّاءِ أَمْوَالِهِمْ، فَهُمْ فِي كَبَدٍ مِنْ جَمْعِهَا.

وَفِي خَوْفٍ عَلَيْهَا مِنَ النُّقْصَانِ، وَفِي أَلَمٍ مِنْ إِنْفَاقِ مَا يُلْجِئُهُمُ الْحَالُ إِلَى إِنْفَاقِهِ مِنْهَا، فَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ تَعْذِيبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَا الشَّأْنُ أَنْ يَكُونَ سَبَبَ نَعِيمٍ وَرَاحَةٍ، وَتَمَّ مُرَادُهُ.

وَهَذَا مِنْ أَشَدِّ الْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَهَذَا شَأْنُ الْبُخَلَاءِ وَأَهْلِ الشُّحِّ مُطْلَقًا، إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ لَهُمْ مَسْلَاةٌ عَنِ الرَّزَايَا بِمَا يَرْجُونَ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الْإِنْفَاقِ أَوْ عَلَى الصَّبْرِ.

ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخُلُقُ قَدْ جَبَلَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ بَوَاعِثِ كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ، إِذْ الْخلق السيِّئ يَدْعُو بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِنَّ الْكفْر خلق سيِّئ فَلَا عَجَبَ أَنْ تَنْسَاقَ إِلَيْهِ نَفْسُ الْبَخِيلِ الشَّحِيحِ، وَالنِّفَاقُ يَبْعَثُ عَلَيْهِ الْخلق السيِّئ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، لِيَتَّقِي صَاحِبُهُ الْمَخَاطِرَ، وَكَذَلِكَ الشَّأْنُ فِي أَوْلَادِهِمْ إِذْ كَانُوا فِي فِتْنَةٍ مِنَ الْخَوْفِ عَلَى إِيمَانِ بَعْضِ أَوْلَادِهِمْ، وَعَلَى خِلَافٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَعْضِ أَوْلَادِهِمُ الْمُوَفَّقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ: مِثْلِ حَنْظَلَةَ: ابْن أَبِي عَامِرٍ الْمُلَقَّبِ غِسِّيلَ الْمَلَائِكَةِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ تَعْذِيبِ أَبَوَيْهِمَا.

وَلِكَوْنِ ذِكْرِ الْأَوْلَادِ كَالتَّكْمِلَةِ هُنَا لِزِيَادَةِ بَيَانِ عَدَمِ انْتِفَاعِهِمْ بِكُلِّ مَا هُوَ مَظِنَّةُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ، عُطِفَ الْأَوْلَادُ بِإِعَادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ الْعَاطِفِ، إِيمَاءً إِلَى أَنَّ ذِكْرَهُمْ كَالتَّكْمِلَةِ وَالِاسْتِطْرَادِ.

وَقَوْلُهُ: (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) مُتَعَلِّقٌ بـ (لِيُعَذِّبَهُمْ) وَمُحَاوَلَةُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ تَعَسُّفٌ وَعُطِفَ (وَتَزْهَقَ) عَلَى (لِيُعَذِّبَهُمْ) بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ أَرَادَهُ الله لَهُم عِنْد مَا رَزَقَهُمُ الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ فَيُعْلَمُ مِنْهُ: أَنَّهُ أَرَادَ مَوْتَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، فَيَسْتَغْرِقُ التَّعْذِيبُ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ حَيَاتَهُمْ كُلَّهَا، لِأَنَّهُمْ لَوْ آمَنُوا فِي جُزْءٍ مِنْ آخَرِ حَيَاتِهِمْ لَحَصَلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ انْتِفَاعٌ مَا بِأَمْوَالِهِمْ وَلَوْ مَعَ الشُّحِّ.

وَالْإِعْجَابُ اسْتِحْسَانٌ مَشُوبٌ بِاسْتِغْرَابٍ وَسُرُورٍ مِنَ الْمَرْئِيِّ قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) [الْمَائِدَة: 100] أَيِ اسْتَحْسَنْتَ مَرْأَى وَفْرَةِ عَدَدِهِ.

وَ (الزُّهُوقُ) الْخُرُوجُ بِشِدَّةٍ وَضِيقٍ، وَقَدْ شَاعَ ذِكْرُهُ فِي خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ الْجَسَدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت