(وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ(137)
وَلَقَدْ أَعْظَمَ اللَّهُ هَذَا التَّزْيِينَ الْعَجِيبَ فِي الْفَسَادِ الَّذِي حَسَّنَ أَقْبَحَ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ قَتْلُهُمْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ أَبْنَاؤُهُمْ، فَشُبِّهَ بِنَفْسِ التَّزْيِينِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يُمَثِّلَهُ بِشَيْءٍ فِي الْفَظَاعَةِ وَالشَّنَاعَةِ لَمْ يَسَعْهُ إِلَّا أَنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ شَيْءٌ مَبْلَغَ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي بَابِهِ، فَيَلْجَأْ إِلَى تَشْبِيهِهِ بِنَفْسِهِ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ «وَالسَّفَاهَةُ كَاسْمِهَا» .
وَالتَّقْدِيرُ: وَزَيَّنَ شُرَكَاءُ الْمُشْرِكِينَ لِكَثِيرٍ فِيهِمْ تَزْيِينًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ الَّذِي زَيَّنُوهُ لَهُمْ، وَهُوَ هُوَ نَفْسُهُ.
وَمَعْنَى تَزْيِينِ ذَلِكَ هُنَا أَنَّهُمْ خَيَّلُوا لَهُمْ فَوَائِدَ وَقُرَبًا فِي هَذَا الْقَتْلِ، بِأَنْ يُلْقُوا إِلَيْهِمْ مَضَرَّةَ الِاسْتِجْدَاءِ وَالْعَارِ فِي النِّسَاءِ، وَأَنَّ النِّسَاءَ لَا يُرْجَى مِنْهُنَّ نَفْعٌ لِلْقَبِيلَةِ، وَأَنَّهُنَّ يُجَبِّنَّ الْآبَاءَ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَيُؤْثِرْنَ أَزْوَاجَهُنَّ على آبائهن، فقتلهنّ أصلح وأنفع من استبقائهن، وَنَحْو هَذَا من الشّبه والتّمويهات، فَيَأْتُونَهُمْ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَرُوجُ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا مُفْرِطِينَ فِي الْغَيْرَةِ، وَالْجُمُوحِ مِنَ الْغَلَبِ وَالْعَارِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: (لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لِأَنَّ قَتْلَ الْأَوْلَادِ لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِ جَمِيعُ الْقَبَائِلِ، وَكَانَ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَهُمَا جَمْهَرَةُ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ كُلُّ الْآبَاءِ مِنْ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ يَفْعَلُهُ.
وَأَسْنَدَ التَّزْيِينَ إِلَى الشُّرَكَاءِ: إِمَّا لِإِرَادَةِ الشَّيَاطِينِ الشُّرَكَاءِ، فَالتَّزْيِينُ تَزْيِينُ الشَّيَاطِينِ بِالْوَسْوَسَةِ، فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً، وَإِمَّا لِأَنَّ التَّزْيِينَ نَشَأَ لَهُمْ عَنْ إِشَاعَةِ كُبَرَائِهِمْ فِيهِمْ، أَوْ بِشَرْعٍ وَضَعَهُ لَهُمْ مَنْ وَضَعَ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَفَرَضَ لَهَا حُقُوقًا فِي أَمْوَالِهِمْ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَيَكُونُ إِسْنَادُ التَّزْيِينِ إِلَى الشُّرَكَاءِ مَجَازًا عَقْلِيًّا لِأَنَّ الْأَصْنَامَ سَبَبُ ذَلِكَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَتَيْنِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) [هود: 101] .
وَالْمَعْنِيُّ بِقَتْلِ الْأَوْلَادِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَنَحْوِهَا هُوَ الْوَأْدُ.