(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127)
هَذِهِ مَنْقَبَةٌ ثَالِثَةٌ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَذْكِيرٌ بِشَرَفِ الْكَعْبَةِ، وَوَسِيلَةٌ ثَالِثَةٌ إِلَى التَّعْرِيضِ بِالْمُشْرِكِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ: (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً) [الْبَقَرَة: 128] إِلَخْ، وَتَمْهِيدٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ إِنْكَارَهُمُ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ الَّذِي يَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) [الْبَقَرَة: 142] وَلِأَجْلِ اسْتِقْلَالِهَا بِهَاتِهِ الْمَقَاصِدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا الْآيَاتُ قَبْلَهَا عُطِفَتْ عَلَى سَوَابِقِهَا مَعَ الِاقْتِرَانِ بِإِذْ تَنْبِيهًا عَلَى الِاسْتِقْلَالِ.
وَخُولِفَ الْأُسْلُوبُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ فِي حِكَايَةِ الْمَاضِي أَنْ يَكُونَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي بِأَنْ يَقُولَ وَإِذْ رَفَعَ إِلَى كَوْنِهِ بِالْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ وَحِكَايَتُهَا كَأَنَّهَا مُشَاهَدَةٌ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ دَالٌّ عَلَى زَمَنِ الْحَالِ فَاسْتِعْمَالُهُ هُنَا اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ الْمَاضِي بِالْحَالِ لِشُهْرَتِهِ وَلِتَكَرُّرِ الْحَدِيثِ عَنْهُ بَيْنَهُمْ فَإِنَّهُمْ لِحُبِّهِمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِجْلَالِهِمْ إِيَّاهُ لَا يَزَالُونَ يَذْكُرُونَ مَنَاقِبَهُ وَأَعْظَمَهَا بِنَاءُ الْكَعْبَةِ فَشَبَّهَ الْمَاضِي لِذَلِكَ بِالْحَالِ وَلِأَنَّ مَا مَضَى مِنَ الْآيَاتِ فِي ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ قَوْلِهِ: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ) [الْبَقَرَة: 124] إِلَى هُنَا مِمَّا يُوجِبُ امْتِلَاءَ أَذْهَانِ السامعين بإبراهيم وشئونه حَتَّى كَأَنَّهُ حَاضِرٌ بَيْنَهُمْ وَكَأَنَّ أَحْوَالَهُ حَاضِرَةٌ مُشَاهَدَةٌ، وَكَلِمَةُ (إِذْ) قَرِينَةٌ عَلَى هَذَا التَّنْزِيلِ لِأَنَّ غَالِبَ الِاسْتِعْمَالِ أَنْ يَكُونَ لِلزَّمَنِ الْمَاضِي وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النُّحَاةِ أَنَّ إِذْ تَخْلُصُ الْمُضَارِعَ إِلَى الْمَاضِي.
وَعَطْفُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ تَنْوِيهٌ بِهِ إِذْ كَانَ مُعَاوِنَهُ وَمُنَاوِلَهُ.
وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى التَّفَاوُتِ بَيْنَ عَمَلِ إِبْرَاهِيمَ وَعَمَلِ إِسْمَاعِيلَ أُوقِعَ الْعَطْفُ عَلَى الْفَاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَفْعُولِ وَالْمُتَعَلِّقَاتِ، وَهَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْعَرَبِيَّةِ فِي أُسْلُوبِ الْعَطْفِ فِيمَا ظَهَرَ لِي وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ مِثْلَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَدُلَّ عَلَى التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْفَاعِلِينَ فِي صُدُورِ الْفِعْلِ تَجْعَلُ عَطْفَ أَحَدِهِمَا بَعْدَ انْتِهَاءِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَاعِلِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَجْعَلَ الْمَعْطُوفَ وَالْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ سَوَاءً فِي صُدُورِ الْفِعْلِ تَجْعَلُ الْمَعْطُوفَ مُوَالِيًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وَجُمْلَةُ (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ حَالًا مِنْ (يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ)
وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّهُ الَّذِي يُنَاسِبُهُ الدُّعَاءُ لِذَرِّيَّتِهِ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ حِينَئِذٍ صَغِيرًا.
وَالْعُدُولُ عَنْ ذِكْرِ الْقَوْلِ إِلَى نُطْقِ الْمُتَكَلِّمِ بِمَا قَالَهُ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ هُوَ ضَرْبٌ مِنِ اسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ قَدْ مَهَّدَ لَهُ الْإِخْبَارُ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: (وَإِذْ يَرْفَعُ) حَتَّى كَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ هُوَ صَاحِبُ الْقَوْلِ وَهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْإِيغَالِ.
وَجُمْلَةُ (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ التَّقَبُّلِ مِنْهُمَا، وَتَعْرِيفُ جُزْءَيْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَالْإِتْيَانُ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ يُفِيدُ قَصْرَيْنِ لِلْمُبَالِغَةِ فِي كَمَالِ الْوَصْفَيْنِ لَهُ تَعَالَى بِتَنْزِيلِ سَمْعِ غَيْرِهِ وَعِلْمِ غَيْرِهِ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقٍ خَاصٍّ أَيِ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لِدُعَائِنَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ، وَهَذَا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ مُقَيَّدٌ وَهُوَ نَوْعٌ مُغَايِرٌ لِلْقَصْرِ الْإِضَافِيِّ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ عُلَمَاء الْمعَانِي.