(وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) [الْأَعْرَاف: 179] الْآيَةَ، وَالْمَقْصُودُ: التَّنْوِيهُ بِالْمُسْلِمِينَ فِي هَدْيِهِمْ وَاهْتِدَائِهِمْ، وَذَلِكَ مُقَابَلَةٌ لِحَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي ضلالهم، أَي عرّض عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَاكَ عَنْهُم بِالْمُسْلِمين، فَمَا صدق «الْأُمَّةِ» هُمُ الْمُسْلِمُونَ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ.
وَالِاسْتِدْرَاجُ مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّرَجَةِ - بِفَتْحَتَيْنِ - يُرْتَقَى مِنْهَا إِلَى الَّتِي فَوْقَهَا، وَتُسَمَّى هَذِهِ الدَّرَجَةُ مِرَقَاةً، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِي فِعْلِ الِاسْتِدْرَاجِ لِلطَّلَبِ، أَيْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَتَدَرَّجَ، أَيْ صَاعِدًا أَوْ نَازِلًا، وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْقَاصِدِ إِبْدَالَ حَالِ أَحَدٍ إِلَى غَيْرِهَا بِدُونِ إِشْعَارِهِ، بِحَالِ مَنْ يَطْلُبُ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ دَرَجَةٍ إِلَى أُخْرَى بِحَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ يَشْتَمِلُ عَلَى تَشْبِيهَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَشْبِيهِ حُسْنِ الْحَالِ بِرِفْعَةِ الْمَكَانِ وَضِدُّهُ بِسَفَالَةِ الْمَكَانِ، وَالْقَرِينَةُ تُعِينُ الْمَقْصُودَ مِنَ انْتِقَالٍ إِلَى حَالٍ أَحْسَنَ أَوْ أَسْوَأَ.
وَمِمَّا يُشِيرُ إِلَى مُرَاعَاةِ هَذَا التَّمْثِيلِ فِي الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) وَلَمَّا تَضَمَّنَ الِاسْتِدْرَاجُ مَعْنَى الْإِيصَالِ إِلَى الْمَقْصُودِ عُلِّقَ بِفِعْلِهِ مَجْرُورٌ بِمِنَ الِابْتِدَائِيَّةِ أَيْ مُبْتَدِئًا اسْتِدْرَاجَهُمْ مِنْ مَكَانٍ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُفْضٍ بِهِمْ إِلَى الْمَبْلَغِ الضَّارِّ، وَحُذِفَ مَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ) لِدَلَالَةِ الِاسْتِدْرَاجِ عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا يَعْلَمُونَ تَدَرُّجَهُ، وَهَذَا مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ اسْتِدْرَاجٌ عَظِيمٌ لَا يُظَنُّ بِالْمَفْعُولِ بِهِ أَنْ يَتَفَطَّنَ لَهُ.
وَالْإِمْلَاءُ إِفْعَالٌ وَهُوَ الْإِمْهَالُ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: (لَهُمْ) هِيَ اللَّامُ الَّتِي تُسَمَّى: لَامُ التَّبْيِينِ، وَلَهَا اسْتِعْمَالَاتٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا خَفَاءٌ وَمَرْجِعُهَا: إِلَى أَنَّهَا يُقْصَدُ مِنْهَا تَبْيِينُ اتِّصَالِ مَدْخُولِهَا بِعَامِلِهِ لِخَفَاءٍ فِي ذَلِكَ الِاتِّصَالِ.
فَجُمْلَةُ: (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) فِي مَوْضِعِ الْعِلَّةِ لِلْجُمْلَتَيْنِ قَبْلَهَا، فَإِنَّ الِاسْتِدْرَاجَ وَالْإِمْلَاءَ ضَرْبٌ مِنَ الْكَيْدِ، وَكَيْدُ اللَّهِ مَتِينٌ أَيْ قَوِيٌّ لَا انْفِلَاتَ مِنْهُ لِلْمَكِيدِ.
وَمَوْقِعُ (إِنَّ) هُنَا مَوْقِعُ التَّفْرِيعِ وَالتَّعْلِيلِ، كَمَا قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ: إِنَّهَا تُغْنِي فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِعِ غِنَاءَ الْفَاءِ.
أَيْ: يَكُونُ ذَلِكَ الِاسْتِدْرَاجُ وَذَلِكَ الْإِمْلَاءُ بَالِغَيْنِ مَا أَرَدْنَاهُ بِهِمْ لِأَنَّ كَيَدِي قَوِيٌّ.
وَلَمَّا كَانَ أُمْلِي مَعْطُوفًا عَلَى (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) فَهُوَ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِقْبَالِ، أَيْ: وَسَأُمْلِي لَهُمْ.
وَالْمُغَايَرَةُ بَيْنَ فعلي (نستدرج) و (أملي) فِي كَوْنِ ثَانِيهِمَا بِهَمْزَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَوَّلِهِمَا بِنُونِ الْعَظَمَةِ مُغَايَرَةٌ اقْتَضَتْهَا الْفَصَاحَةُ مِنْ جِهَةِ ثِقَلِ الْهَمْزَةِ بَيْنَ حَرْفَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ فِي النُّطْقِ فِي (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) وَلِلتَّفَنُّنِ وَالِاكْتِفَاءِ بِحُصُولِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ الْأَوَّلِ.
وَ (الْكَيْدُ) لَمْ يُضْبَطْ تَحْدِيدُ مَعْنَاهُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ يُرَادِفُ الْمَكْرَ وَالْحِيلَةَ.
وَوُقُوعُ جُمْلَةِ: (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي أَنَّ اسْتِدْرَاجَهُمْ وَالْإِمْلَاءُ لَهُمْ كَيْدٌ، فَيُفِيدُ أَنَّهُ اسْتِدْرَاجٌ إِلَى مَا يَكْرَهُونَهُ، وَتَأْجِيلٌ لَهُمْ إِلَى حُلُولِ مَا يَكْرَهُونَهُ.
وَإِطْلَاقُهُ هُنَا جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الْحَالِ الَّتِي يَسْتَدْرِجُ اللَّهُ بِهَا الْمُكَذِّبِينَ مَعَ تَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ إِلَى أَمَدٍ هُمْ بَالِغُوهُ، بِحَال من يهيئ أَخْذًا لِعَدُوِّهِ مَعَ إِظْهَارِ الْمُصَانَعَةِ وَالْمُحَاسَنَةِ لِيَزِيدَ عَدُوَّهُ غُرُورًا، وَلِيَكُونَ وُقُوعُ ضَرِّ الْأَخْذِ بِهِ أَشَدَّ وَأَبْعَدَ عَنِ الاستعداد لتلقيه.
و (المتين) الْقَوِيُّ، وَحَقِيقَتُهُ الْقَوِيُّ الْمَتْنِ أَيِ الظَّهْرِ، لِأَنَّ قُوَّةَ مَتْنِهِ تُمَكِّنُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّدِيدَةِ، وَمَتْنُ كُلِّ شَيْءٍ عَمُودُهُ وَمَا يتماسك بِهِ.