فهرس الكتاب

الصفحة 2716 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 104]

(قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(104)

وَبَصَائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وَالْبَصِيرَةُ: الْعَقْلُ الَّذِي تَظْهَرُ بِهِ الْمَعَانِي وَالْحَقَائِقُ، كَمَا أَنَّ الْبَصَرَ إِدْرَاكُ الْعَيْنِ الَّذِي تَتَجَلَّى بِهِ الْأَجْسَامُ، وَأُطْلِقَتِ الْبَصَائِرُ عَلَى مَا هُوَ سَبَبٌ فِيهَا.

وَإِسْنَادُ الْمَجِيءِ إِلَى الْبَصَائِرِ اسْتِعَارَةٌ لِلْحُصُولِ فِي عُقُولِهِمْ، شُبِّهَ بِمَجِيءِ شَيْءٍ كَانَ غَائِبًا، تَنْوِيهًا بِشَأْنِ مَا حَصَلَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُ كَالشَّيْءِ الْغَائِبِ الْمُتَوَقَّعِ مَجِيئُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ) [الْإِسْرَاء: 81] .

وَخُلُوُّ فِعْلِ «جَاءَ» عَنْ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ مَعَ أَنَّ فَاعِلَهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُسْنَدَ إِلَى جَمْعِ تَكْسِيرٍ مُطْلَقًا أَوْ جَمْعِ مُؤَنَّثٍ يَجُوزُ اقْتِرَانُهُ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ وَخُلُوُّهُ عَنْهَا.

قَوْلُهُ: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ) أَيْ فَلَا عُذْرَ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الضَّلَالِ بَعْدَ هَذِهِ الْبَصَائِرِ، وَلَا فَائِدَةَ لِغَيْرِكُمْ فِيهَا «فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ أَبْصَرَ» ، أَيْ مَنْ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَدْ عَلِمَ عِلْمًا يَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَمَنْ عَمِيَ أَيْ ضَلَّ عَنِ الْحَقِّ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا وِزْرُهُ عَلَى نَفْسِهِ.

فَاسْتُعِيرَ الْإِبْصَارُ فِي قَوْلِهِ: (أَبْصَرَ) لِلْعِلْمِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ لِأَنَّ الْمُهْتَدِيَ بِهَذَا الْهَدْيِ الْوَارِدِ مِنَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي نُوِّرَ لَهُ الطَّرِيقُ بِالْبَدْرِ أَوْ غَيْرِهِ، فَأَبْصَرَهُ وَسَارَ فِيهِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَبْصَرَ تَمْثِيلًا مُوجَزًا ضُمِّنَ فِيهِ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ الْمُرْشِدِ إِلَى الْحَقِّ إِذا عمل بهَا أَرْشَدَ بِهِ، بِهَيْئَةِ الْمُبْصِرِ إِذَا انْتَفَعَ بِبَصَرِهِ.

وَاسْتُعِيرَ الْعَمَى فِي قَوْلِهِ: (عَمِيَ) لِلْمُكَابَرَةِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى الضَّلَالِ بَعْدَ حُصُولِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُقْلِعَهُ لِأَنَّ الْمُكَابِرَ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْأَعْمَى لَا يَنْتَفِعُ بِإِنَارَةِ طَرِيقٍ وَلَا بِهَدْيِ هَادٍ خِرِّيتٍ.

وَاسْتَعْمَلَ اللَّامَ فِي الْأَوَّلِ اسْتِعَارَةً لِلنَّفْعِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْمِلْكِ وَإِنَّمَا يُمْلَكُ الشَّيْءُ النَّافِعُ الْمُدَّخَرُ لِلنَّوَائِبِ، وَاسْتُعِيرَتْ (عَلَى) فِي الثَّانِي لِلضُّرِّ وَالتَّبِعَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الضَّارَّ ثَقِيلٌ عَلَى صَاحِبِهِ يُكَلِّفُهُ تَعَبًا وَهُوَ كَالْحِمْلِ الْمَوْضُوعِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ، قَالَ تَعَالَى: (مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ) [فصلت: 46] ، وَقَالَ (مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) [الْإِسْرَاء: 15] .

وَقَدْ جَاءَ اللَّامُ فِي مَوْضِعِ (عَلَى) فِي بَعْضِ الْآيَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) [الْإِسْرَاء: 7] .

وَفِي الْآيَةِ مُحَسِّنُ جِنَاسِ الِاشْتِقَاقِ بَين «البصائر» و «أبْصر» ، وَمُلَاحَظَةِ مُنَاسِبَةِ فِي الْإِبْصَارِ وَالْبَصَائِر.

وَفِيهَا مُحَسِّنُ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: (أَبْصَرَ، وعَمِيَ) وَبَيْنَ (اللَّامِ) وَ (عَلَى) .

وَعُدِّيَ فِعْلُ (عَمِيَ) بِحَرْفِ (عَلَى) لِأَنَّ الْعَمَى لَمَّا كَانَ مَجَازًا كَانَ ضُرًّا يَقَعُ عَلَى صَاحِبِهِ.

(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)

وَالْإِتْيَانُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ هُنَا دَقِيقٌ، لِأَنَّ الْحَفِيظَ وَصْفٌ لَا يُفِيدُ غَيْرَهُ مُفَادَهُ، فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِعْلُ حَفِظَ، فَالْحَفِيظُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ يُقَدَّرُ لَهَا فِعْلٌ مَنْقُولٌ إِلَى فَعُلَ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - لَمْ يُنْطَقْ بِهِ مِثْلُ الرَّحِيمِ.

وَلَا يُفِيدُ تَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ اخْتِصَاصًا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ وَإِنْ كَانَ الْعَلامَة التّفتازاني مَالَ إِلَيْهِ، وَسَكَتَ عَنْهُ السَّيِّدُ الْجُرْجَانِيُّ وَهُوَ وُقُوفٌ مَعَ الظَّاهِرِ.

وَتَقْدِيمُ (عَلَيْكُمْ) عَلَى (بِحَفِيظٍ) لِلِاهْتِمَامِ ولرعاية الفاصلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت