(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(22)
وَالْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ هُنَا إِطْلَاقُهَا الْعُرْفِيُّ عِنْدَ الْعَرَبِ وَهُوَ مَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ كَالْقُبَّةِ الزَّرْقَاءِ وَهُوَ كُرَةُ الْهَوَاءِ الْمُحِيطِ بِالْأَرْضِ كَمَا هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ) [الْبَقَرَة: 19] وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ الْغَالِبُ إِذَا أُطْلِقَ السَّمَاءُ بِالْإِفْرَادِ دُونَ الْجَمْعِ.
وَمَعْنَى (جَعَلَ الْأَرْضَ فِرَاشًا) أَنَّهَا كَالْفِرَاشِ فِي التَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِقْرَارِ وَالِاضْطِجَاعِ عَلَيْهَا وَهُوَ أَخَصُّ أَحْوَالِ الِاسْتِقْرَارِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَعَلَهَا مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ شِدَّةِ الصُّخُورِ بِحَيْثُ تُؤْلِمُ جِلْدَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ رَخَاوَةِ الْحَمْأَةِ بِحَيْثُ يَتَزَحْزَحُ الْكَائِنُ فَوْقَهَا وَيَسُوخُ فِيهَا وَتِلْكَ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ.
وَأَمَّا وَجْهُ شَبَهِ السَّمَاءِ بِالْبِنَاءِ فَهُوَ أَنَّ الْكُرَةَ الْهَوَائِيَّةَ جَعَلَهَا اللَّهُ حَاجِزَةً بَيْنَ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ وَبَيْنَ الْكُرَةِ الْأَثِيرِيَّةِ فَهِيَ كَالْبِنَاءِ فِيمَا يُرَادُ لَهُ الْبِنَاءُ وَهُوَ الْوِقَايَةُ مِنَ الْأَضْرَارِ النَّازِلَةِ، فَإِنَّ لِلْكُرَةِ الْهَوَائِيَّةِ دَفْعًا لِأَضْرَارٍ أَظْهَرُهَا دَفْعُ ضَرَرِ طُغْيَانِ مِيَاهِ الْبِحَارِ عَلَى الْأَرْضِ وَدَفْعُ أَضْرَارِ بُلُوغِ أَهْوِيَةٍ تَنْدَفِعُ عَنْ بَعْضِ الْكَوَاكِبِ إِلَيْنَا وَتَلْطِيفُهَا حَتَّى تَخْتَلِطَ بِالْهَوَاءِ أَوْ صَدُّ الْهَوَاءِ إِيَّاهَا عَنَّا مَعَ مَا فِي مشابهة منظر الْكُرَةِ الْهَوَائِيَّةِ لِهَيْئَةِ الْقُبَّةِ، وَالْقُبَّةُ بَيْتٌ مَنْ أَدَمٍ مُقَبَّبٍ وَتُسَمَّى بِنَاءً، وَالْبِنَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا يُرْفَعُ سُمْكُهُ عَلَى الْأَرْضِ لِلْوِقَايَةِ سَوَاءً كَانَ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مِنْ أَدَمٍ أَوْ مِنْ شَعْرٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: بَنَى عَلَى امْرَأَتِهِ إِذَا تَزَوَّجَ لِأَنَّ الْمُتَزَوِّجَ يَجْعَلُ بَيْتًا يَسْكُنُ فِيهِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَقَدِ اشْتَهَرَ إطلاق الْبناء على الْقبَّة مَنْ أَدَمٍ.
وَحُذِفَ (لَكُمْ) عِنْدَ ذِكْرِ السَّمَاءِ إِيجَازًا لِأَنَّ ذِكْرَهُ فِي قَوْله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ) دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
وَ (مِنَ) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: (مِنَ الثَّمَراتِ) لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ إِذْ لَيْسَ التَّبْعِيضُ مُنَاسِبًا لِمَقَامِ الِامْتِنَانِ بَلْ إِمَّا لِبَيَانِ الرِّزْقِ الْمُخْرَجِ، وَتَقْدِيمُ الْبَيَانِ عَلَى الْمُبَيَّنِ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَإِمَّا زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ الْإِخْرَاجِ بِالثَّمَرَاتِ.
(فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
أَتَتِ الْفَاءُ لِتَرْتِيبِ هَاتِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْكَلَامِ السَّابِقِ وَهُوَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ وَ (لَا) نَاهِيَةٌ وَالْفِعْلُ مَجْزُومٌ وَلَيْسَتْ نَافِيَةً حَتَّى يَكُونَ الْفِعْلُ مَنْصُوبًا فِي جَوَابِ الْأَمْرِ مِنْ قَوْلِهِ: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) وَالْمُرَادُ هُنَا تَسَبُّبُهُ الْخَاصُّ وَهُوَ حُصُولُهُ عَنْ دَلِيلٍ يُوجِبُهُ وَهُوَ أَنَّ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِعِبَادَتِهِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْإِفْرَادِ بِهَا فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ ضِدِّ الْعِبَادَةِ لِأَنَّ ضِدَّ الْعِبَادَةَ عَدَمُ الْعِبَادَةِ.
وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْإِشْرَاكُ لِلْمَعْبُودِ فِي الْعِبَادَةِ يُشْبِهُ تَرْكَ الْعِبَادَةِ جُعِلَ تَرْكُ الْإِشْرَاكِ مُسَاوِيًا لِنَقِيضِ الْعِبَادَةِ لِأَنَّ الْإِشْرَاكَ مَا هُوَ إِلَّا تَرْكٌ لِعِبَادَةِ اللَّهِ فِي أَوْقَاتِ تَعْظِيمِ شُرَكَائِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَمَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) مَتْرُوكٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يُقْصَدْ تَعْلِيقُهُ بِمَفْعُولٍ بَلْ قُصِدَ إِثْبَاتُهُ لِفَاعِلِهِ فَقَطْ فَنُزِّلَ الْفِعْلُ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، وَالْمعْنَى وَأَنْتُم ذُو عِلْمٍ.
وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا الْعَقْلُ التَّامُّ وَهُوَ رُجْحَانُ الرَّأْيِ الْمُقَابَلُ عِنْدَهُمْ بِالْجَهْلِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: 9] وَقَدْ جَعَلَتْ هَاتِهِ الْحَالُ مَحَطَّ النَّهْيِ وَالنَّفْيِ تَمْلِيحًا فِي الْكَلَامِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ التَّوْبِيخِ وَإِثَارَةِ الْهِمَّةِ فَإِنَّهُ أَثْبَتَ لَهُمْ عِلْمًا وَرَجَاحَةَ الرَّأْيِ لِيُثِيرَ هِمَّتَهُمْ وَيَلْفِتَ بَصَائِرَهُمْ إِلَى دَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَنَهَاهُمْ عَنِ اتِّخَاذِ الْآلِهَةِ أَوْ نَفَى ذَلِكَ مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِهِ وَجَعَلَهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْعِلْمِ تَوْبِيخًا لَهُمْ عَلَى مَا أَهْمَلُوا مِنْ مَوَاهِبِ عُقُولِهِمْ وَأَضَاعُوا مِنْ سَلَامَةِ مَدَارِكِهِمْ.
وَهَذَا مَنْزَعٌ تَهْذِيبِيٌّ عَظِيمٌ، أَنْ يَعْمِدَ الْمُرَبِّي فَيَجْمَعَ لِمَنْ يُرَبِّيهِ بَيْنَ مَا يَدُلُّ عَلَى بَقِيَّةِ كَمَالٍ فِيهِ حَتَّى لَا يَقْتُلَ هِمَّتَهُ بِالْيَأْسِ مِنْ كَمَالِهِ فَإِنَّهُ إِذَا سَاءَتْ ظُنُونُهُ فِي نَفْسِهِ خَارَتْ عَزِيمَتُهُ وَذَهَبَتْ مَوَاهِبُهُ، وَيَأْتِي بِمَا يدل على نقائص فِيهِ لِيَطْلُبَ الْكَمَالَ فَلَا يَسْتَرِيحُ مِنَ الْكَدِّ فِي طَلَبِ الْعُلَا وَالْكَمَالِ.
وَقَدْ أَوْمَأَ قَوْلُهُ: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إِلَى أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا نِدَّ لَهُ وَلَكِنَّهُمْ تَعَامَوْا وَتَنَاسَوْا فَقَالُوا: «إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك» .