(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)
وَالْبَيِّنَاتُ: الْأَدِلَّةُ وَالْمُعْجِزَاتُ وَمَجِيئُهَا ظُهُورهَا وَبَيَانُهَا، لِأَنَّ الْمَجِيءَ ظُهُورُ شَخْصِ الْجَائِي بَعْدَ غَيْبَتِهِ.
وَجِيءَ فِي الشَّرْطِ بـ (إِنْ) لِنُدْرَةِ حُصُولِ هَذَا الزَّلَلِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أَوْ لِعَدَمِ رَغْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِي حُصُولِهِ إِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِمَنْ آمَنَ بِظَاهِرِهِ دُونَ قَلْبِهِ.
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا خَامَرَ نُفُوسَهُمْ مِنْ كَرَاهِيَةِ الصُّلْحِ هُوَ زَلَّةٌ عَظِيمَةٌ.
وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: (مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ) إعذار لَهُمْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَفْوِيضُ الْعِلْمِ إِلَى اللَّهِ الَّذِي أَوْحَى إِلَى رَسُولِهِ بِإِبْرَامِ الصُّلْحِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّهُ مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَهْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لَا يَهِنُ لِأَحَدٍ، وَلِأَنَّهُ حَكِيمٌ يَضَعُ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا، وَيَخْتَارُ لِلْمُسْلِمِينَ مَا فِيهِ نَصْرُ دِينِهِ وَقَدْ رَأَيْتُمُ الْبَيِّنَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى عِنَايَةِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ وَأَنَّهُ لَا يُخْزِيهِ وَلَا يُضَيِّعُ أَمْرَهُ وَمِنْ تِلْكَ الْبَيِّنَاتِ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.