فهرس الكتاب

الصفحة 3129 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): آيَة 57]

(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(57)

وَأُطْلِقَ الْإِرْسَالُ عَلَى الِانْتِقَالِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ، فَإِرْسَالُ الرِّيَاحِ هُبُوبُهَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي تَهُبُّ فِيهِ وَوُصُولُهَا، وَحَسَّنَ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ أَنَّ الرِّيحَ مُسَخَّرَةٌ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ هُبُوبَهَا فِيهِ فَشُبِّهَتْ بِالْعَاقِلِ الْمُرْسَلِ إِلَى جِهَةٍ مَا، وَمِنْ بَدَائِعِ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ أَنَّ الرِّيحَ لَا تُفَارِقُ كُرَةَ الْهَوَاءِ.

فَتَصْرِيفُ الرِّيَاحِ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ أَشْبَهُ بِالْإِرْسَالِ مِنْهُ بِالْإِيجَادِ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: الرِّياحَ - بِصِيغَةِ الْجَمْعِ - وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ: الرِّيحَ - بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ، فَهُوَ مُسَاوٍ لِقِرَاءَةِ الْجَمْعِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَنْ قَرَأَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَقِرَاءَتُهُ أَسْعَدُ، لِأَنَّ الرِّيَاحَ حَيْثُمَا وَقَعَتْ فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ مُقْتَرِنَةٌ بِالرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ: (وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ) [الْحجر: 22] وَأَكْثَرُ ذِكْرِ الرِّيحِ الْمُفْرَدَةِ أَنْ تَكُونَ مُقْتَرِنَةً بِالْعَذَابِ كَقَوْلِهِ (رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ) [الْأَحْقَاف: 24] وَنَحْوَ ذَلِكَ.

وَمَنْ قَرَأَ بِالْإِفْرَادِ فَتَقْيِيدُهَا بِالنَّشْرِ يُزِيلُ الِاشْتِرَاكَ أَيِ الْإِيهَامَ.

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ قَدْ يُرَادُ بِهِ تَعَدُّدُ الْمَهَابِّ أَوْ حُصُولُ الْفَتَرَاتِ فِي الْهُبُوبِ، وَأَنَّ الْإِفْرَادَ قَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهَا مَدْفُوعَةٌ دُفْعَةً وَاحِدَةً قَوِيَّةً لَا فَتْرَةَ بَيْنَ هَبَّاتِهَا.

وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: (لِبَلَدٍ) لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ لِأَجْلِ بَلَدٍ مَيِّتٍ، وَفِي هَذِهِ اللَّامِ دَلَالَةٌ عَلَى الْعِنَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ بِذَلِكَ الْبَلَدِ فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ تَعْدِيَةِ (سُقْنَاهُ) بِحَرْفِ (إِلَى) .

وَالْبَلَدُ: السَّاحَةُ الْوَاسِعَةُ مِنَ الْأَرْضِ.

وَالْمَيِّتُ: مَجَازٌ أُطْلِقَ عَلَى الْجَانِبِ الَّذِي انْعَدَمَ مِنْهُ النَّبَاتُ، وَإِسْنَادُ الْمَوْتِ الْمَجَازِيِّ إِلَى الْبَلَدِ هُوَ أَيْضًا مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ إِنَّمَا هُوَ نَبَاتُهُ وَثَمَرُهُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ: (كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى) .

وَالِاسْتِغْرَاقُ فِي (كُلِّ الثَّمَراتِ) اسْتِغْرَاقٌ حَقِيقِيٌّ، لِأَنَّ الْبَلَدَ الْمَيِّتَ لَيْسَ مُعَيَّنًا بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ بَلَدٍ مَيِّتٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَطَرُ، فَيَحْصُلُ مِنْ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْبَلَدِ الْمَيِّتِ جَمِيعُ الثَّمَرَاتِ قَدْ أَخْرَجَهَا اللَّهُ بِوَاسِطَةِ الْمَاءِ، وَالْبَلَدُ الْوَاحِدُ يُخْرِجُ ثَمَرَاتِهِ الْمُعْتَادَةَ فِيهِ، فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ خَاصَّةً فَاجْعَلِ اسْتِغْرَاقَ كُلِّ الثَّمَرَاتِ اسْتِغْرَاقًا عُرْفِيًّا، أَيْ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَحَرْفُ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ.

وَجُمْلَةُ: (كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى) مُعْتَرِضَةٌ اسْتِطْرَادًا لِلْمَوْعِظَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَقْرِيبِ الْبَعْثِ الَّذِي يَسْتَبْعِدُونَهُ، وَالْإِشَارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إِلَى الْإِخْرَاجِ الْمُتَضَمِّنِ لَهُ فِعْلُ (فَأَخْرَجْنا) .

وَجُمْلَةُ: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) مستأنفة، والرّجاء ناشئ عَنِ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّذَكُّرُ الشَّامِلُ الَّذِي يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عِبْرَةً وَإِيمَانًا، وَالَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْلِعَ مِنَ الْمُشْرِكِ اعْتِقَادَ الشِّرْكِ وَمِنْ مُنْكِرِ الْبَعْثِ إِنْكَارَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت