فهرس الكتاب

الصفحة 776 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 180]

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(180)

وَمَعْنَى حُضُورِ الْمَوْتِ حُضُورُ أَسْبَابِهِ وَعَلَامَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ الْمُتَخَيَّلَ لِلنَّاسِ قَدْ حَضَرَ عِنْدَ الْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ حُضُورَ الشَّيْءِ حُلُولُهُ وَنُزُولُهُ وَهُوَ ضِدُّ الْغَيْبَةِ، فَلَيْسَ إِطْلَاقُ حَضَرَ هُنَا مِنْ قَبِيلِ إِطْلَاقِ الْفِعْلِ عَلَى مُقَارَبَةِ الْفِعْلِ نَحْوَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَلَا عَلَى مَعْنَى إِرَادَةِ الْفِعْلِ كَمَا فِي (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [الْمَائِدَة: 6] ، (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) [الْمَائِدَة: 98] ، وَلَكِنَّهُ إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ إِلَى الْمَوْتِ لِأَنَّهُ حُضُورُ أَسْبَابِهِ، وَأَمَّا الْحُضُورُ فَمُسْتَعَارٌ لِلْعَرْوِ وَالظُّهُورِ.

وَعَبَّرَ بِفِعْلِ (تَرَكَ) وَهُوَ مَاضٍ عَنْ مَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ أَيْ إِنْ يَتْرُكْ، لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اقْتِرَابِ الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْمُضِيِّ إِذَا أَوْشَكَ أَنْ يَصِيرَ مَاضِيًا.

وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ هُنَا الْعَدْلُ الَّذِي لَا مُضَارَةَ فِيهِ وَلَا يَحْدُثُ مِنْهُ تَحَاسُدٌ بَيْنَ الْأَقَارِبِ بِأَنْ يَنْظُرَ الْمُوصِي فِي تَرْجِيحِ مَنْ هُوَ الْأَوْلَى بِأَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِ لِقُوَّةِ قَرَابَةٍ أَوْ شِدَّةِ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ إِنْ تَوَخَّى ذَلِكَ اسْتَحْسَنَ فِعْلَهُ النَّاسُ وَلَمْ يَلُومُوهُ.

وَالْبَاءُ فِي (بِالْمَعْرُوفِ) لِلْمُلَابَسَةِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْوَصِيَّةِ.

وَقَدْ شَمِلَ قَوْلُهُ (بِالْمَعْرُوفِ) تَقْدِيرُ مَا يُوصِي بِهِ وَتَمْيِيزُ مَنْ يُوصَى لَهُ وَوَكَلَ ذَلِكَ إِلَى نَظَرِ الْمُوصِي فَهُوَ مُؤْتَمَنٌ عَلَى تَرْجِيحِ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّرْجِيحِ فِي الْعَطَاءِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (عَلَى الْمُتَّقِينَ) .

وَخَصَّ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ لِأَنَّهُمْ مَظِنَّةُ النِّسْيَانِ مِنَ الْمُوصِي، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الْأَوْلَادَ أَوْ يُوصُونَ لِسَادَةِ الْقَبِيلَةِ.

وَقَدَّمَ الْوَالِدَيْنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمَا أَرْجَحُ فِي التَّبْدِيَةِ بِالْوَصِيَّةِ، وَكَانُوا قَدْ يُوصُونَ بِإِيثَارِ بَعْضِ أَوْلَادِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَوْ يُوصُونَ بِكَيْفِيَّةِ تَوْزِيعِ أَمْوَالِهِمْ عَلَى أَوْلَادِهِمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت