فهرس الكتاب

الصفحة 2884 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 148]

(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)

وَحَاصِلُ هَذِهِ الْحُجَّةِ: أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ على النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِرِضَى اللَّهِ تَعَالَى لَصَرَفَهُمْ عَنْهُ وَلَمَّا يَسَّرَهُ لَهُمْ، يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ إفحام الرّسول عَلَيْهِ الصّلاة والسّلام وَإِبْطَالِ حُكْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلَالَةِ، وَهَذِهِ شُبْهَةُ أَهْلِ الْعُقُولِ الْأَفِنَةِ الَّذِينَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ وَحِفْظِ قَوَانِينِ الْوُجُود، وَهُوَ التصرّف الَّذِي نُسَمِّيهِ نَحْنُ بِالْمَشِيئَةِ وَبِالْإِرَادَةِ، وَبَيْنَ تَصَرُّفِهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ الَّذِي نُسَمِّيهِ بِالرِّضَى وَبِالْمَحَبَّةِ، فَالْأَوَّلُ تَصَرُّفُ التَّكْوِينِ وَالثَّانِي تَصَرُّفُ التَّكْلِيفِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ تَمَكُّنَهُمْ مِنْ وَضْعِ قَوَاعِدِ الشِّرْكِ وَمِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مَا هُوَ إِلَّا بِأَنْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِمُ التَّمَكُّنَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَحْسَبُونَ أَنَّهُ حِينَ لَمْ يُمْسِكْ عِنَانَ أَفْعَالِهِمْ كَانَ قَدْ رَضِيَ بِمَا فَعَلُوهُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَا يَرْضَى بِهِ لَمَا عَجَزَ عَنْ سَلْبِ تَمَكُّنِهِمْ، يَحْسَبُونَ أَنَّ اللَّهَ يُهِمُّه سُوءَ تَصَرُّفِهِمْ فِيمَا فَطَرَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا يَتَوَهَّمُونَ لَكَانَ الْبَاطِلُ وَالْحَقُّ شَيْئًا وَاحِدًا، وَهَذَا مَا لَا يَفْهَمُهُ عَقْلٌ حَصِيفٌ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ حِينَ يَتَوَهَّمُونَ ذَلِكَ كَانُوا غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إِلَّا إِلَى جَانِبِ نِحْلَتِهِمْ وَمُعْرِضِينَ عَنْ جَانِبِ مُخَالِفِهِمْ، فَإِنَّهُمْ حِينَ يَقُولُونَ: (لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا) غَافِلُونَ عَنْ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ مِنْ جَانِبِ الرَّسُولِ: لَوْ شَاءَ الله مَا قُلْتُ لَكُمْ أَنَّ فِعْلَكُمْ ضَلَالٌ، فَيَكُونُ اللَّهُ عَلَى حَسَبِ شُبْهَتِهِمْ قَدْ شَاءَ الشَّيْءَ وَنَقِيضَهُ إِذْ شَاءَ أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ وَشَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَا تُشْرِكُوا.

وَسَبَبُ هَذِهِ الضَّلَالَةِ الْعَارِضَةِ لِأَهْلِ الضَّلَالِ مِنَ الْأُمَمِ، الَّتِي تَلُوحُ فِي عُقُولِ بَعْضِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاذِيرِهِمْ لِلْمَعَاصِي وَالْجَرَائِمِ أَنْ يَقُولُوا: أَمْرُ اللَّهِ أَوْ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، هُوَ الْجَهْلُ بِأَنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي وَضْعِ نِظَامِ هَذَا الْعَالَمِ اقْتَضَتْ أَنْ يَجْعَلَ حِجَابًا بَيْنَ تَصَرُّفِهِ تَعَالَى فِي أَحْوَالِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَبَيْنَ تَصَرُّفِهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ بِمُقْتَضَى إِرَادَتِهِمْ، وَذَلِكَ الْحِجَابُ هُوَ نَامُوسُ ارْتِبَاطِ الْمُسَبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا، وَارْتِبَاطِ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ فِي هَذَا الْعَالَمِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَمِنْهُ مَا يُسَمَّى بِالْكَسْبِ وَالِاسْتِطَاعَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَشَاعِرَةِ، وَيُسَّمَى بِالْقُدْرَةِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ الْأَشَاعِرَةِ، وَذَلِكَ هُوَ مَوْرِدُ التَّكْلِيفِ الدَّالِّ عَلَى مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَمَا لَا يَرْضَى بِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ وَضَعَ نِظَامَ هَذَا الْعَالَمِ بِحِكْمَةٍ فَجَعَلَ قِوَامَهُ هُوَ تَدْبِيرُ الْأَشْيَاءِ أُمُورَهَا مِنْ ذَوَاتِهَا بِحَسَبِ قُوًى أَوْدَعَهَا فِي الْمَوْجُودَاتِ لِتَسْعَى لِمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ، وَزَادَ الْإِنْسَانَ مَزِيَّةً بِأَنْ وَضَعَ لَهُ عَقْلًا يُمَكِّنُهُ مِنْ تَغْيِيرِ أَحْوَالِهِ عَلَى حَسَبِ احْتِيَاجِهِ، وَوَضَعَ لَهُ فِي عَقْلِهِ وَسَائِلَ الِاهْتِدَاءِ إِلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَمَا قَيَّضَ لَهُ دُعَاةً إِلَى الْخَيْرِ تُنَبِّهُهُ إِلَيْهِ إِنْ عَرَتْهُ غَفْلَةٌ، أَوْ حَجَبَتْهُ شَهْوَةٌ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يَرْعَوِ غَيِّهِ، فَقَدْ خَانَ بِسَاطَ عَقْلِهِ بِطَيِّهِ.

وَبِهَذَا ظَهَرَ تَخْلِيطُ أَهْلِ الضَّلَالَةِ بَيْنَ مَشِيئَةِ الْعِبَادِ وَمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُنَا قَوْلَهُمْ: (لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا مَا هُوَ مَشِيئَةٌ لَهُمْ مَشِيئَةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ قَدْ أَثْبَتَ مَشِيئَتَهُ فِي قَوْلِهِ: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) [الْأَنْعَام: 107] فَهِيَ مَشِيئَةُ تَكْوِينِ الْعُقُولِ وَتَكْوِينِ نِظَامِ الْجَمَاعَةِ.

فَهَذِهِ الْمَشِيئَةُ الَّتِي اعْتَلُّوا بِهَا مَشِيئَةٌ خَفِيَّةٌ لَا تَتَوَصَّلُ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى كُنْهِهَا عُقُولُ الْبَشَرِ، فَلِذَلِكَ نَعَى اللَّهُ عَلَيْهِمِ اسْتِنَادَهُمْ إِلَيْهَا عَلَى جَهْلِهِمْ بِكُنْهِهَا، فَقَالَ: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَشَبَّهَ بِتَكْذِيبِهِمْ تَكْذِيبَ الْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِ مَقْصِدِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ تَكْذِيب النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَنْهَضُ حُجَّةً لَنَا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَلَا لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَيْنَا، وَإِنْ حَاوَلَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْفَرِيقَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى بُطْلَانِ حُجَّةِ الْمُشْرِكِينَ.

وَفِي الْآيَةِ حُجَّةٌ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قبلهم) أنبياءهم مثل مَا كَذَّبَكَ هَؤُلَاءِ.

فَسَمَّى اللَّهُ اسْتِدْلَالَهُمْ هَذَا تَكْذِيبًا، لِأَنَّهُمْ سَاقُوهُ مَسَاقَ التَّكْذِيبِ وَالْإِفْحَامِ، لَا لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ لَا يَقُولُ بِهِ الرّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّا نَقُولُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) [الْأَنْعَام: 107] نُرِيدُ بِهِ مَعْنًى صَحِيحًا فَكَلَامُهُمْ مِنْ بَابِ كَلَامِ الْحَقِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ بَاطِلٌ.

وَقَوْلُهُ: (حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا) غَايَةٌ لِلتَّكْذِيبِ مَقْصُودٌ مِنْهَا دَوَامُهُمْ عَلَيْهِ إِلَى آخِرِ أَوْقَاتِ وُجُودِهِمْ.

فَلَمَّا ذَاقُوا بَأْسَ اللَّهِ هَلَكُوا وَاضْمَحَلُّوا، وَلَيْسَتِ الْغَايَةُ هُنَا لِلتَّنْهِيَةِ: وَالرُّجُوعِ عَنِ الْفِعْلِ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الرُّجُوعُ بَعْدَ اسْتِئْصَالِهِمْ.

وَالذَّوْقُ مَجَازٌ فِي الْإِحْسَاسِ وَالشُّعُورِ، فَهُوَ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمُقَيَّدِ فِي الْمُطْلَقِ.

وَأَمَرَ الله رَسُوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَوَابِ عَنْ مَقَالِهِمُ الْوَاقِعِ أَوِ الْمُتَوَقَّعِ بِقَوْلِهِ: (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا) فَفَصَّلَ جُمْلَةَ: (قُلْ) لِأَنَّهَا جَارِيَة مجْرى المقاولة وَالْمُجَاوَبَةِ كَمَا تَقَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَجَاءَ بِالِاسْتِفْهَامِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ الْإِفْحَامُ وَالتَّهَكُّمُ بِمَا عُرِفَ مِنْ تَشَبُّثِهِمْ بِمِثْلِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ.

وَجُعِلَ الِاسْتِفْهَامُ بِـ (هَلْ) لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى طَلَبِ تَحْقِيقِ الْإِسْنَادِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ، لِأَنَّ أَصْلَ (هَلْ) أَنَّهَا حَرْفٌ بِمَعْنَى «قَدْ» لِاخْتِصَاصِهَا بِالْأَفْعَالِ، وَكَثُرَ وُقُوعُهَا بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، فَغَلَبَ عَلَيْهَا مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، فَكَثُرَ حَذْفُ الْهَمْزَةِ مَعَهَا حَتَّى تُنُوسِيَتِ الْهَمْزَةُ فِي مَشْهُورِ الْكَلَامِ وَلَمْ تَظْهَرْ مَعَهَا إِلَّا فِي النَّادِرِ.

فَدَلَّ (هَلْ) عَلَى أَنَّهُ سَائِلٌ عَنْ أَمْرٍ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مُحَقَّقًا كَأَنَّهُ يَرْغَبُ فِي حُصُولِهِ فَيُغْرِيهِمْ بِإِظْهَارِهِ حَتَّى إِذَا عَجَزُوا كَانَ قَطْعًا لِدَعْوَاهُمْ.

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ التَّهَكُّمُ بِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: (لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا - إِلَى - وَلا حَرَّمْنا) فَأَظْهَرَ لَهُمْ من القَوْل مِنَ يُظْهِرُهُ الْمُعْجَبُ بِكَلَامِهِمْ.

وَقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ بَادِيَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَطْلُبُوا الْعِلْمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، كَيْفَ وَهُوَ يُصَارِحُهُمْ بِالتَّجْهِيلِ وَالتَّضْلِيلِ صَبَاحَ مَسَاءٍ.

وَالْعِلْمُ: مَا قَابَلَ الْجَهْلَ، وَإِخْرَاجُهُ الْإِعْلَامُ بِهِ، شُبِّهَتْ إِفَادَةُ الْمَعْلُومِ لِمَنْ يَجْهَلُهُ بِإِخْرَاجِ الشَّيْءِ الْمَخْبُوءِ.

وَجُعِلَ إِخْرَاجُ الْعِلْمِ مُرَتَّبًا بِفَاءِ السَّبَبِيَّةِ عَلَى الْعِنْدِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ مَقْصُودٌ بِهِ مَا يَتَسَبَّبُ عَلَيْهِ.

وَالْمُرَادُ بِالظَّنِّ الظَّنُّ الْكَاذِبُ وَهُوَ إِطْلَاقٌ لَهُ شَائِعٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت