(وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ(79) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80)
وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: (ائْتُونِي) هُمْ مَلَأُ فِرْعَوْنَ وَخَاصَّتُهُ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَنْفِيذُ أَمْرِهِ.
وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ جَمِيعِ السَّحَرَةِ الْمُتَمَكِّنِينَ فِي عِلْمِ السِّحْرِ لِأَنَّهُمْ أَبْصَرُ بِدَقَائِقِهِ، وَأَقْدَرُ عَلَى إِظْهَارِ مَا يَفُوقُ خَوَارِقَ مُوسَى فِي زَعْمِهِ، فَحُضُورُهُمْ مُغْنٍ عَنْ حُضُورِ السَّحَرَةِ الضُّعَفَاءِ فِي عِلْمِ السِّحْرِ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ مَظِنَّةُ أَنْ لَا يُوَازِيَ مَا أَظْهَرُهُ مُوسَى مِنَ الْمُعْجِزَةِ فَإِذَا أَتَوْا بِمَا هُوَ دُونَ مُعْجِزَةِ مُوسَى كَانَ ذَلِكَ مُرَوِّجًا لِدَعْوَةِ مُوسَى بَيْنَ دَهْمَاءِ الْأُمَّةِ.
وَالْعُمُومُ فِي قَوْلِهِ: (بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ) عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أَيْ بِكُلِّ سَاحِرٍ تَعْلَمُونَهُ وَتَظْفَرُونَ بِهِ، أَوْ أُرِيدَ بِكُلِّ مَعْنَى الْكَثْرَةَ.
وَجُمْلَةُ: (فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: (وَقالَ فِرْعَوْنُ) عَطَفَ مَجِيءَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ مُوسَى لَهُمْ عَلَى جُمْلَةِ: (قالَ فِرْعَوْنُ) بِفَاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ فِي إِحْضَارِهِمْ وَهُوَ تَعْقِيبٌ بِحَسْبِ الْمُتَعَارَفِ فِي الْإِسْرَاعِ بِمِثْلِ الشَّيْءِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي السَّحَرَةُ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ.
وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ مُوسَى بِأَنْ يَبْتَدِئُوا بِإِلْقَاءِ سِحْرِهِمْ إِظْهَارًا لقُوَّة حجَّة لِأَنَّ شَأْنَ الْمُبْتَدِئِ بِالْعَمَلِ الْمُتَبَارِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَمْكَنَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ مِنْ مُبَارِيهِ، وَلَا سِيَّمَا الْأَعْمَالِ الَّتِي قِوَامُهَا التَّمْوِيهُ وَالتَّرْهِيبُ، وَالَّتِي يَتَطَلَّبُ الْمُسْتَنْصِرُ فِيهَا السَّبْقَ إِلَى تَأَثُّرِ الْحَاضِرِينَ وَإِعْجَابِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْآنُ فِي آيَاتٍ أُخْرَى أَنَّ السَّحَرَةَ خَيَّرُوا مُوسَى بَين أَن يبتدئ هُوَ بِإِظْهَارِ مُعْجِزَتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئُوا، وَأَنَّ مُوسَى اخْتَارَ أَنْ يَكُونُوا الْمُبْتَدِئِينَ.
وَفَعْلُ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: (أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّسْوِيَةِ الْمُرَادُ مِنْهَا الِاخْتِيَارُ وَإِظْهَارُ قِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
وَالْإِلْقَاءُ: رَمْيُ شَيْءٍ فِي الْيَدِ إِلَى الْأَرْضِ.
وَإِطْلَاقُ الْإِلْقَاءِ عَلَى عَمَلِ السِّحْرِ لِأَنَّ أَكْثَرَ تَصَارِيفِ السَّحَرَةِ فِي أَعْمَالِهِمُ السِّحْرِيَّةِ يَكُونُ بِرَمْيِ أَشْيَاءَ إِلَى الْأَرْضِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُمْ أَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ، وَأَنَّهَا يُخَيَّلُ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، وَكَانَ مُنْتَهَى أَعْمَالِ السَّاحِرِ أَنْ يُخَيِّلَ الْجَمَادَ حَيًّا.
وَ (مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) قُصِدَ بِهِ التَّعْمِيمُ الْبَدَلِيُّ، أَيَّ شَيْءٍ تُلْقُونَهُ، وَهَذَا زِيَادَةٌ فِي إِظْهَارِ عَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِمَبْلَغِ سِحْرِهِمْ، وَتَهْيِئَةٍ لِلْمَلَأ الْحَاضِرِينَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مُبْطِلٌ سِحْرَهُمْ عَلَى يَدِ رَسُولِهِ.
وَلَا يُشْكِلُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ مُوسَى بِإِلْقَاءِ السِّحْرِ بِأَنَّهُ أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا كَافِرِينَ وَالْكَافِرُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَمْرِ بِإِلْقَائِهِ إِظْهَارُ بُطْلَانِهِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَقْرِيرِ شُبْهَةِ الْمُلْحِدِ مِمَّنْ يَتَصَدَّى لِإِبْطَالِهَا بَعْدَ تَقْرِيرِهَا مِثْلُ طَرِيقَةِ عَضُدِ الدِّينِ الْإِيْجِي فِي كِتَابِهِ «الْمَوَاقِفِ» .
وَقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ صُورَةِ سِحْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْعِبْرَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَصْفُ إِصْرَارِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ الدَّعْوَةِ، وَمَا لَقِيَهُ الْمُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنِ اعْتِلَاءِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ وَكَيْفَ نَصَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مَعَهُ، وَكَيْفَ كَانَتْ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ الْحُسْنَى وَلِمَنْ كَفَرُوا عَاقِبَةُ السُّوءِ، لِيَكُونُوا مَثَلًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجُ بِالذِّكْرِ إِلَّا عَلَى مَقَالَةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ رَأَى سِحْرَهُمُ الدَّالَّةِ عَلَى يَقِينِهِ بِرَبِّهِ وَوَعْدِهِ، وَبِأَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْحَقِّ.
وَذَلِكَ أَهَمُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ ذِكْرِ انْدِحَاضِ سِحْرِهِمْ تِجَاهَ مُعْجِزَةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولَ أَلْقُوا لِتَنْزِيلِ فِعْلِ أَلْقُوا مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِبَيَانِ مَفْعُولِهِ.