(إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)
وَوَصْفُ عِيسَى بِكَلِمَةٍ مُرَادٌ بِهِ كَلِمَةٌ خَاصَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْمُعْتَادِ فِي تَكْوِينِ الْجَنِينِ أَيْ بِدُونِ الْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ.
وَقَوْلُهُ: (مِنْهُ) مِنْ لِلِابْتِدَاءِ الْمَجَازِيِّ أَيْ بِدُونِ وَاسِطَةِ أَسْبَابِ النَّسْلِ الْمُعْتَادَةِ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (إِذا قَضى أَمْرًا) [الْبَقَرَة: 117] .
وَقَوْلُهُ: (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) عَبَّرَ عَنِ الْعَلَمِ وَاللَّقَبِ وَالْوَصْفِ بِالِاسْمِ، لِأَنَّ لِثَلَاثَتِهَا أَثَرًا فِي تَمْيِيزِ الْمُسَمَّى.
فَأَمَّا اللَّقَبُ وَالْعَلَمُ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا الْوَصْفُ الْمُفِيدُ لِلنَّسَبِ فَلِأَنَّ السَّامِعِينَ تَعَارَفُوا ذِكْرَ اسْمِ الْأَبِ فِي ذِكْرِ الْأَعْلَامِ لِلتَّمْيِيزِ وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ، وَتُذْكَرُ الْأُمُّ فِي النَّسَبِ إِمَّا لِلْجَهْلِ بِالْأَبِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: زِيَادُ بن سُمَيَّةَ قَبْل أَنْ يُلْحَقَ بِأَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَإِمَّا لِأَنَّ لِأُمِّهِ مَفْخَرًا عَظِيمًا كَقَوْلِهِمْ: عَمْرُو ابْنُ هِنْدٍ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ مَلِكُ الْعَرَبِ.
والْمَسِيحُ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ بِمَعْنَى الْوَصْفِ.
وَالْوَجِيهُ ذُو الْوَجَاهَةِ وَهِيَ: التَّقَدُّمُ عَلَى الْأَمْثَالِ، وَالْكَرَامَةُ بَيْنَ الْقَوْمِ، وَهِيَ وَصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَجْهِ لِلْإِنْسَانِ وَهُوَ أَفْضَلُ أَعْضَائِهِ الظَّاهِرَةِ مِنْهُ، وَأَجْمَعُهَا لِوَسَائِلِ الْإِدْرَاكِ وَتَصْرِيفِ الْأَعْمَالِ، فَأُطْلِقَ الْوَجْهُ عَلَى أَوَّلِ الشَّيْءِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِعَارَةِ الشَّائِعَةِ فَيُقَالُ: وَجْهُ النَّهَارِ لِأَوَّلِ النَّهَارِ قَالَ تَعَالَى: (وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ) [آل عمرَان: 72]
وَخُصَّ تَكْلِيمُهُ بِحَالَيْنِ: حَالِ كَوْنِهِ فِي الْمَهْدِ، وَحَالِ كَوْنِهِ كَهْلًا، مَعَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لِأَنَّ لِذَيْنِكَ الْحَالَيْنِ مَزِيدَ اخْتِصَاصٍ بِتَشْرِيفِ اللَّهِ إِيَّاهُ فَأَمَّا تَكْلِيمُهُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ فَلِأَنَّهُ خَارِقُ عَادَةٍ إِرْهَاصًا لِنُبُوءَتِهِ.
وَأَمَّا تَكْلِيمُهُمْ كَهْلًا فَمُرَادٌ بِهِ دَعْوَتُهُ النَّاسَ إِلَى الشَّرِيعَةِ.
فَالتَّكْلِيمُ مُسْتَعْمَلٌ فِي صَرِيحِهِ وَفِي كِنَايَتِهِ بِاعْتِبَارِ الْقَرِينَةِ الْمُعَيَّنَةِ لِلْمَعْنَيَيْنِ وَهِيَ مَا تَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ مِنَ الْمَجْرُورَيْنِ.