(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا(97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)
وَمَعْنَى (تَوَفَّاهُمُ) تُمِيتُهُمْ وَتَقْبِضُ أَرْوَاحَهُمْ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ يَمُوتُونَ أَوْ يُتَوَفَّوْنَ إِلَى تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ لِيَكُونَ وَسِيلَةً لِبَيَانِ شَنَاعَةِ فِتْنَتِهِمْ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَ «الْمَلَائِكَةُ» جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ، فَاسْتَوَى فِي إِفَادَةِ مَعْنَى الْجِنْسِ جَمْعُهُ، كَمَا هُنَا، وَمُفْرَدُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) [السَّجْدَة: 11]
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي يَقْبِضُ أَرْوَاحَ النَّاسِ وَاحِدًا، بِقُوَّةٍ مِنْهُ تَصِلُ إِلَى كُلِّ هَالِكٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ هَالِكٍ مَلَكٌ يَقْبِضُ رُوحَهُ، وَهَذَا أَوْضَحُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) إِلَى قَوْلِهِ: (قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) .
وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: (فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرِيَاءُ بِالْحُكْمِ الْوَارِدِ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ أَجْلِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ فِتْنَةِ الشِّرْكِ بِالْخُرُوجِ مِنْ أَرْضِهِ.