(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)
وَمَعْنَى (غَيْرِ هَذَا) مُخَالِفُهُ.
وَالْمُرَادُ الْمُخَالَفَةُ لِلْقُرْآنِ كُلِّهِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَابْتِدَاءِ كِتَابٍ آخَرَ بِأَسَالِيبَ أُخْرَى، كَمِثْلِ كُتُبِ قَصَصِ الْفُرْسِ وَمَلَاحِمِهِمْ إِذْ لَا يَحْتَمِلُ كَلَامُهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، إِذْ لَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنْ يَأْتِيَ بِسُوَرٍ أُخْرَى غَيْرِ الَّتِي نَزَلَتْ مِنْ قَبْلُ لِأَنَّ ذَلِكَ حَاصِلٌ، وَلَا غَرَضَ لَهُمْ فِيهِ إِذَا كَانَ مَعْنَاهَا مِنْ نَوْعِ مَا سَبَقَهَا.
وَوَصَفَ الْآيَاتِ بِـ (بَيِّناتٍ) لِزِيَادَةِ التَّعْجِيبِ مِنْ طَلَبِهِمْ تَبْدِيلَهَا لَا بِطَلَبِ تَبْدِيلِهِ إِذْ لَا طَمَعَ فِي خَيْرٍ مِنْهُ.
وَالتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ.
وَقَدْ يَكُونُ فِي الذَّوَاتِ، كَمَا تَقُولُ: بَدَّلْتُ الدَّنَانِيرَ دَرَاهِمَ.
وَيَكُونُ فِي الْأَوْصَافِ، كَمَا تَقُولُ: بَدَّلْتُ الْحَلَقَةَ خَاتَمًا.
فَلَمَّا ذَكَرَ الْإِتْيَانَ بِغَيْرِهِ مِنْ قَبْلُ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّبْدِيلِ الْمَعْنَى الْآخَرُ وَهُوَ تَبْدِيلُ الْوَصْفِ، فَكَانَ الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ فِي قَوْلِهِمْ: غَيْرِ هَذَا كَلَامًا غَيْرَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ قَبْلُ لَا يَكُونُ فِيهِ مَا يَكْرَهُونَهُ وَيَغِيظُهُمْ.
وَالْمُرَادُ بِالتَّبْدِيلِ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى الْقُرْآنِ الْمَوْجُودِ فَيُغَيِّرَ الْآيَاتِ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى عِبَارَاتِ ذَمِّ الشِّرْكِ بِمَدْحِهِ، وَعِبَارَاتِ ذَمِّ أَصْنَامِهِمْ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهَا، وَعِبَارَاتِ الْبَعْثِ وَالنَّشْرِ بِضِدِّهَا، وَعِبَارَاتِ الْوَعِيدِ لَهُمْ بِعِبَارَاتِ بِشَارَةٍ.
وَسَمَّوْا مَا طَلَبُوا الْإِتْيَانَ بِهِ (قُرْآنًا) لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنِ الْمُسَمَّى بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ عَلَمٌ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيِ ائْتِ بِغَيْرِ هَذَا مِمَّا تُسَمِّيهِ قُرْآنًا.
وَأَجْمَلَ الْمُرَادَ بِالتَّبْدِيلِ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ السَّامِعِينَ.
ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جِدًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدُوا بِهِ الِاسْتِهْزَاءَ، وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ فَقَدْ أَمر الله نبيئه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُجِيبَهُمْ بِمَا يُقْلِعُ شُبْهَتَهُمْ مِنْ نُفُوسِهِمْ إِنْ كَانُوا جَادِّينَ، أَوْ مِنْ نُفُوسِ مَنْ يَسْمَعُونَهُمْ مِنْ دَهْمَائِهِمْ فَيَحْسَبُوا كَلَامَهُمْ جِدًّا فَيَتَرَقَّبُوا تَبْدِيلَ الْقُرْآنِ.
وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ: (إِذا تُتْلى) عَلَى عَامِلِهِ وَهُوَ (قالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا) لِلِاهْتِمَامِ بِذِكْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي تُتْلَى فِيهِ الْآيَاتُ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ فِيهِ هَذَا الْقَوْلَ تَعْجِيبًا مِنْ كَلَامِهِمْ وَوَهَنِ أَحْلَامِهِمْ.
وَاجْتِلَابَ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِمُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّكَرُّرِ وَالتَّجَدُّدِ، أَيْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ كُلَّمَا تُتْلَى عَلَيْهِم الْآيَات.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ تَسْمِيَةُ أُنَاسٍ مِمَّنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَهُمْ خَمْسَةٌ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَمِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، وَالْعَاصُ بْنُ عَامِرٍ، قَالُوا لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ائْتِ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ وَهُبَلَ، وَلَيْسَ فِيهِ عَيْبُهَا.
وَقَدْ جَاءَ الْجَوَابُ عَنِ اقْتِرَاحِهِمْ كَلَامًا جَامِعًا قَضَاءً لِحَقِّ الْإِيجَازِ الْبَدِيعِ، وَتَعْوِيلًا عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنَ الْجَوَابِ، فَأَحَسُّوا بِامْتِنَاعِ تَبْدِيلِ الْقُرْآنِ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهَذَا جَوَابٌ كَافٍ، لِأَنَّ التَّبْدِيلَ يَشْمَلُ الْإِتْيَانَ بِغَيْرِهِ وَتَبْدِيلَ بَعْضِ تَرَاكِيبِهِ.
عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّبْدِيلُ الَّذِي هُوَ تَغْيِيرُ كَلِمَاتٍ مِنْهُ وَأَغْرَاضٍ مُمْتَنِعًا كَانَ إِبْطَالُ جَمِيعِهِ وَالْإِتْيَانُ بِغَيْرِهِ أَجْدَرَ بِالِامْتِنَاعِ.
وَقَدْ جَاءَ الْجَوَابُ بِأَبْلَغِ صِيَغِ النَّفْيِ وَهُوَ (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ) أَيْ مَا يَكُونُ التَّبْدِيلُ مِلْكًا بِيَدِي.
و (تِلْقاءِ) صِيغَةُ مَصْدَرٍ عَلَى وَزْنِ التِّفْعَالِ.
وَقِيَاسُ وَزْنِ التَّفْعَالِ الشَّائِعِ هُوَ فَتْحُ التَّاءِ وَقَدْ شَذَّ عَنْ ذَلِكَ تِلْقَاءٌ، وَتِبْيَانٌ، وَتِمْثَالٌ، بِمَعْنَى اللِّقَاءِ وَالْبَيَانِ وَالْمُثُولِ فَجَاءَتْ بِكَسْرِ التَّاءِ لَا رَابِعَ لَهَا، ثُمَّ أُطْلِقَ التِّلْقَاءُ عَلَى جِهَةِ التَّلَاقِي ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ) [الْقَصَص: 22] .
فَمَعْنَى (مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي) مِنْ جِهَةِ نَفْسِي.
وَهَذَا الْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ لِجُمْلَةِ: (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ) وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ مُؤَكِّدَةً لِغَيْرِهَا إِذِ التَّبْدِيلُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ فِعْلِ الْمُبْدِلِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ الْحَالُ لِلتَّقْيِيدِ إِذْ لَا يَجُوزُ فَرْضُ أَنْ يُبَدَّلَ مِنْ تِلْقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى التَّبْدِيلَ الَّذِي يَرُومُونَهُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ مُبَلِّغٌ لَا مُتَصَرِّفٌ.
وَجُمْلَةُ: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ: (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ) أَيْ مَا أَتَّبِعُ إِلَّا الْوَحْيَ وَلَيْسَ لِي تَصَرُّفٌ بِتَغْيِيرٍ.
وَالِاتِّبَاعُ مَجَازٌ فِي عَدَمِ التَّصَرُّفِ، بِجَامِعِ مُشَابَهَةِ ذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ تَجَاوُزِ الِاقْتِفَاءِ فِي الْمَشْيِ.
وَاقْتَضَتْ (إِنِ) النَّافِيَةُ وَأَدَاةُ الِاسْتِثْنَاءِ قَصْرَ تَعَلُّقِ الِاتِّبَاعِ عَلَى مَا أَوْحَى اللَّهُ وَهُوَ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، أَيْ لَا أُبَلِّغُ إِلَّا مَا أُوحِيَ إِلَيَّ دُونَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّبَعُ شَيْئًا مُخْتَرَعًا حَتَّى أَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَقَرِينَةُ كَوْنِهِ إِضَافِيًّا وُقُوعُهُ جَوَابًا لِرَدِّ اقْتِرَاحِهِمْ.
فَمَنْ رَامَ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَذَا الْقَصْرِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ خَرَجَ بِالْكَلَامِ عَنْ مَهْيَعِهِ.
وَجُمْلَةُ: (إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) إِلَخْ فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ) وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْهَا.
وَاقْتَرَنَتْ بِحَرْفِ (إِنْ) لِلِاهْتِمَامِ، وَ (إِنْ) تُؤْذِنُ بِالتَّعْلِيلِ.
وَدَلَّ سِيَاقُ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِقُرْآنٍ آخَرَ غَيْرِ هَذَا بِمَعْنَى إِبْطَالِ هَذَا الْقُرْآنِ وَتَعْوِيضِهِ بِغَيْرِهِ، وَأَنَّ تَبْدِيلَهُ بِمَعْنَى تَغْيِيرِ مَعَانِي وَحَقَائِقِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مُمْتَنِعٌ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يُلَقَّنِ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ هُنَا: إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، أَوْ نَحْو ذَلِك.