(ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(14)
عَطْفٌ على (أَهْلَكْنَا) [يُونُس: 13] وَحَرْفُ (ثُمَّ) مُؤْذِنٌ بِبُعْدِ مَا بَيْنَ الزَّمَنَيْنِ، أَيْ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ تَخْلُفُونَهُمْ فِي الْأَرْضِ.
وَكَوْنُ حَرْفِ (ثُمَّ) هُنَا عَاطِفًا جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ تَقْتَضِي التَّرَاخِيَ الرُّتْبِيَّ لِأَنَّ جَعْلَهُمْ خَلَائِفَ أَهَمُّ مِنْ إِهْلَاكِ الْقُرُونِ قَبْلَهُمْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ عَوَّضَهُمْ بِهِمْ.
وَالْخَلَائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ.
وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ فِي(سُورَةِ الْأَنْعَامِ) [165] .
وَالْمُرَادُ بِـ (الْأَرْضِ) بِلَادُ الْعَرَبِ، فَالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ خَلَفُوا عَادًا وَثَمُودًا وَطَسْمًا وَجَدِيسًا وَجُرْهُمًا فِي مَنَازِلِهِمْ عَلَى الْجُمْلَةِ.
وَالنَّظَرُ: مُسْتَعْمَلٌ فِي الْعِلْمِ الْمُحَقَّقِ، لِأَنَّ النَّظَرَ أَقْوَى طُرُقِ الْمَعْرِفَةِ، فَمَعْنَى (لِنَنْظُرَ) لِنَعْلَمَ، أَيْ لِنَعْلَمَ عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بِأَعْمَالِكُمْ.
فَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ تَعَلُّقُهُ التَّنْجِيزِيُّ.
وَإِنَّمَا جَعَلَ اسْتِخْلَافَهُمْ فِي الْأَرْضِ عِلَّةً لِعِلْمِ اللَّهِ بِأَعْمَالِهِمْ كِنَايَةً عَنْ ظُهُورِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْوَاقِعِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ أَوْ مِمَّا لَا يُرْضِيهِ فَإِذَا ظَهرت أَعْمَالهم عَملهَا اللَّهُ عِلْمَ الْأَشْيَاءِ النَّافِعَةِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ سَيَقَعُ عِلْمًا أَزَلِيًّا.