فهرس الكتاب

الصفحة 3959 من 4110

[سُورَة يُونُس(10): آيَة 11]

(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ(11)

لَمَّا جَاءَتْ آيَاتُ هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوَارِعِ التَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ أُعْقِبَتْ بِمَا يُزِيلُ شُبُهَاتِهِمْ وَيُطَمْئِنُ نُفُوسَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا يَجْمَعُهُ قَوْلُهُ: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) .

وَهُوَ إِجْمَال ينبئ بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ نِظَامَ هَذَا الْعَالَمِ عَلَى الرِّفْقِ بِالْمَخْلُوقَاتِ وَاسْتِبْقَاءِ الْأَنْوَاعِ إِلَى آجَالٍ أَرَادَهَا، وَجَعَلَ لِهَذَا الْبَقَاءِ وَسَائِلَ الْإِمْدَادِ بِالنِّعَمِ الَّتِي بِهَا دَوَامُ الْحَيَاةِ، فَالْخَيْرَاتُ الْمُفَاضَةُ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ فِي هَذَا الْعَالَمِ كَثِيرَةٌ، وَالشُّرُورُ الْعَارِضَةُ نَادِرَةٌ وَمُعْظَمُهَا مُسَبَّبٌ عَنْ أَسْبَابٍ مَجْعُولَةٍ فِي نِظَامِ الْكَوْنِ وَتَصَرُّفَاتِ أَهْلِهِ، وَمِنْهَا مَا يَأْتِي عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ عِنْدَ مَحَلِّ آجَالِهِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) [يُونُس: 49] وَقَوْلِهِ: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) [الرَّعْد: 38] .

فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ الرِّفْقَ جَعَلَهُ اللَّهُ مُسْتَمِرًّا عَلَى عِبَادِهِ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُمْ لِأَنَّهُ أَقَامَ عَلَيْهِ نِظَامَ الْعَالَمِ إِذْ أَرَادَ ثَبَاتَ بِنَائِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ تَوَازِيَ الشَّرِّ فِي هَذَا الْعَالَمِ بِالْخَيْرِ لُطْفًا مِنْهُ وَرِفْقًا، فَاللَّهُ لِطَيْفٌ بِعِبَادِهِ، وَفِي ذَلِكَ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الشَّرَّ لَوْ عُجِّلَ لَهُمْ مَا اسْتَحَقُّوهُ لَبَطَلَ النِّظَامُ الَّذِي وُضِعَ عَلَيْهِ الْعَالَمُ.

وَقَدْ جَاءَ نَظْمُ الْآيَةِ عَلَى إِيجَازٍ مُحْكَمٍ بَدِيعٍ، فَذُكِرَ فِي جَانِبِ الشَّرِّ يُعَجِّلُ الدَّالُّ عَلَى أَصْلِ جِنْسِ التَّعْجِيلِ وَلَوْ بِأَقَلِّ مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَاهُ، وَعُبِّرَ عَنْ تَعْجِيلِ اللَّهِ الْخَيْرَ لَهُمْ بِلَفْظِ اسْتِعْجالَهُمْ الدَّالِّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْجِيلِ بِمَا تفيده زِيَاد السِّينِ وَالتَّاءِ لِغَيْرِ الطَّلَبِ إِذْ لَا يَظْهَرُ الطَّلَبُ هُنَا، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِمُ: اسْتَأْخَرَ وَاسْتَقْدَمَ وَاسْتَجْلَبَ وَاسْتَقَامَ وَاسْتَبَانَ وَاسْتَجَابَ وَاسْتَمْتَعَ وَاسْتَكْبَرَ وَاسْتَخْفَى وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ) [نوح: 7] .

وَأَصْلُهُ: اسْتِعْجَالَهُمُ الْخَيْرَ، فَدَلَّتِ الْمُبَالَغَةُ بِالسِّينِ وَالتَّاءِ وَتَأْكِيدُ اللُّصُوقِ عَلَى الِامْتِنَانِ بِأَنَّ الْخَيْرَ لَهُمْ كَثِيرٌ وَمَكِينٌ.

وَالْقَضَاءُ: التَّقْدِيرُ.

وَالْأَجَلُ: الْمُدَّةُ الْمُعَيَّنَةُ لِبَقَاءِ قَوْمٍ.

وَالْمَعْنَى: لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ حُلُولُ أَجَلِهِمْ.

وَلَمَّا ضُمِّنَ (قُضِيَ) مَعْنَى بَلَغَ وَوَصَلَ عُدِّيَ بِـ (إِلَى) .

فَهَذَا وَجْهُ تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَسِرُّ نَظْمِهَا، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى غَيْرِهِ فِي فَهْمِهَا.

(فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا)

أَيْ نَتْرُكُهُمْ فِي مُدَّةِ تَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ مُتَلَبِّسِينَ بِطُغْيَانِهِمْ، أَيْ فَرْطِ تَكَبُّرِهِمْ وَتَعَاظُمِهِمْ.

وَإِنَّمَا لَمْ يُنْصَبِ الْفِعْلُ بَعْدَ الْفَاءِ لِأَنَّ النَّصْبَ يَكُونُ فِي جَوَابِ النَّفْيِ الْمَحْضِ، وَأَمَّا النَّفْيُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ (لَوْ) فَحَاصِلٌ بِالتَّضَمُّنِ، وَلِأَنَّ شَأْنَ جَوَابِ النَّفْيِ أَنْ يَكُونَ مُسَبَّبًا عَلَى الْمَنْفِيِّ لَا عَلَى النَّفْيِ، وَالتَّفْرِيعُ هُنَا عَلَى مُسْتَفَادٍ مِنَ النَّفْيِ.

وَأَمَّا الْمَنْفِيُّ فَهُوَ تَعْجِيلُ الشَّرِّ فَهُوَ لَا يُسَبِّبُ أَنْ يَتْرُكَ الْكَافِرِينَ يَعْمَهُونَ، وَبِذَلِكَ تَعْرِفُ أَنَّ قَوْلَهُ: (فَنَذَرُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى كَلَامٍ مُقَدَّرٍ وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ تَقْدِيرُ مَعْنًى لَا تَقْدِيرُ إِعْرَابٍ، أَيْ فَنَتْرُكُ الْمُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ فِي ضَلَالِهِمُ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ.

وَقَوْلُهُ: (فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ فِي(سُورَةِ الْبَقَرَةِ) [15] .

وَالطُّغْيَانُ: الْكُفْرُ.

وَالْإِتْيَانُ بِالْمَوْصُولِيَّةِ فِي تَعْرِيفِ الْكَافِرِينَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الطُّغْيَانَ أَشَدُّهُ إِنْكَارُهُمُ الْبَعْثَ، وَلِأَنَّهُ صَارَ كَالْعَلَّامَةِ عَلَيْهِمْ كَمَا تقدم آنِفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت