(إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ(166) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
وَالْأَسْبَابُ جَمْعُ سَبَبٍ وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُمَدُّ لِيُرْتَقَى عَلَيْهِ فِي النَّخْلَةِ أَوِ السَّطْحِ، وَقَوْلُهُ (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ) تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَتْ هَيْئَتَهُمْ عِنْدَ خَيْبَةِ أَمَلِهِمْ حِينَ لَمْ يَجِدُوا النَّعِيمَ الَّذِي تَعِبُوا لِأَجْلِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ وَقَدْ جَاءَ إِبَّانَهُ فِي ظَنِّهِمْ فَوَجَدُوا عِوَضَهُ الْعَذَابَ، بِحَالِ الْمُرْتَقِي إِلَى النَّخْلَةِ لِيَجْتَنِيَ الثَّمَرَ الَّذِي كَدَّ لِأَجْلِهِ طُولَ السَّنَةِ فَتَقَطَّعَ بِهِ السَّبَبُ عِنْدَ ارْتِقَائِهِ فَسَقَطَ هَالِكًا، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ قَدْ عَلِمَ كُلُّهُمْ حِينَئِذٍ أَنْ لَا نَجَاةَ لَهُمْ فَحَالُهُمْ كَحَالِ السَّاقِطِ مِنْ عُلْوٍ لَا تُرْجَى لَهُ سَلَامَةٌ، وَهِيَ تَمْثِيلِيَّةٌ بَدِيعَةٌ لِأَنَّهَا الْهَيْئَةُ الْمُشَبَّهَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ أَشْيَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِوَاحِدٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا الْهَيْئَةُ الْمُشَبَّهُ بِهَا وَهِيَ: تَشْبِيهُ الْمُشْرِكِ فِي عِبَادَتِهِ الْأَصْنَامَ وَاتِّبَاعِ دِينِهَا بِالْمُرْتَقِي بِجَامِعِ السَّعْيِ، وَتَشْبِيهُ الْعِبَادَةِ وَقَبُولِ الْآلِهَةِ مِنْهُ بِالْحَبْلِ الْمُوَصِّلِ، وَتَشْبِيهُ النَّعِيمِ وَالثَّوَابِ بِالثَّمَرَةِ فِي أَعْلَى النَّخْلَةِ لِأَنَّهَا لَا يَصِلُ لَهَا الْمَرْءُ إِلَّا بَعْدَ طُولٍ وَهُوَ مُدَّةُ الْعُمُرِ، وَتَشْبِيهُ الْعُمُرِ بِالنَّخْلَةِ فِي الطُّولِ، وَتَشْبِيهُ الحرمان من الْمَوْصُول للنعيم بتقطع الْحَبْلِ، وَتَشْبِيهُ الْخَيْبَةِ بِالْبُعْدِ عَنِ الثَّمَرَةِ، وَتَشْبِيهُ الْوُقُوعِ فِي الْعَذَابِ بِالسُّقُوطِ الْمُهْلِكِ.
وَقَلَّمَا تَأْتِي فِي التَّمْثِيلِيَّةِ صُلُوحِيَّةِ أَجْزَاءِ التَّشْبِيهِ الْمُرَكَّبِ فِيهَا لِأَنْ تَكُونَ تَشْبِيهَاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَالْوَارِدُ فِي ذَلِكَ يَكُونُ فِي أَشْيَاءَ قَلِيلَةٍ كَقَوْلِ بِشَارٍ الَّذِي يُعَدُّ مِثَالًا فِي الْحُسْنِ:
كَأَنَّ مُثَارَ النّقع فَوق رؤسنا ... وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهُ
فَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ أَكْثَرُ مِنْ تَشْبِيهَاتٍ ثَلَاثَةٍ.
فَالْبَاءُ فِي (بِهِمْ) لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ تَقَطَّعَتِ الْأَسْبَابُ مُلْتَبِسَةٌ بِهِمْ أَيْ فَسَقَطُوا، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ مَحَلُّ التَّشْبِيهِ لِأَنَّ الْحَبْلَ لَوْ تَقَطَّعَ غَيْرَ مُلَابِسٍ لِلْمُرْتَقِي عَلَيْهِ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ ضُرٌّ إِذْ يُمْسِكُ بِالنَّخْلَةِ وَيَتَطَلَّبُ سَبَبًا آخَرَ يَنْزِلُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ وَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُهُمْ أَوْ نَحْوَهُ، فَمَنْ قَالَ إِنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى عَنْ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوِ التَّعْدِيَةِ فَقَدْ بَعُدَ عَنِ الْبَلَاغَةِ، وَبِهَذِهِ الْبَاءِ تَقُومُ مَعْنَى التَّمْثِيلِيَّةِ بِالصَّاعِدِ إِلَى النَّخْلَةِ بِحَبْلٍ وَهَذَا الْمَعْنَى فَائِتٌ فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
تَقَطَّعَ أَسْبَابُ اللُّبَانَةِ وَالْهَوَى ... عَشِيَّةَ جَاوَزْنَا حَمَاةَ وَشَيْزَرَا
وَقَوْلُهُ: (وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) أَظْهَرُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّ ضَمِيرَيِ الْغَيْبَةِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ عَائِدَانِ إِلَى مَجْمُوعِ الْفَرِيقَيْنِ، عَلَى أَنَّ فِي صِلَةِ الَّذِينَ اتُّبِعُوا تَنْبِيهًا عَلَى إِغَاظَةِ الْمَتْبُوعِينَ وَإِثَارَةِ حَسْرَتِهِمْ وَذَلِكَ عَذَابٌ نَفْسَانِيٌّ يُضَاعِفُ الْعَذَابَ الْجُثْمَانِيَّ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ) .
قَوْلُهُ: (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ)
وَعُدِلَ عَنِ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ بِأَنْ يُقَالَ «وَمَا يَخْرُجُونَ» إِلَى الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ أَنَّهُ مِنْ صِفَاتِهِمْ، وَلَيْسَ لِتَقْدِيمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ هُنَا نُكْتَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ الْأَصْلُ فِي التَّعْبِيرِ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا إِذْ لَا تَتَأَتَّى بِسِوَى هَذَا التَّقْدِيمِ، فَلَيْسَ فِي التَّقْدِيمِ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِصَاصٍ لِمَا عَلِمْتَ وَلِأَنَّ التَّقْدِيمَ عَلَى الْمُسْنَدِ الْمُشْتَقِّ لَا يُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ عِنْدَ جُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْمَعَانِي، بَلِ الِاخْتِصَاصُ مَفْرُوضٌ فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ خَاصَّةً.
فَالْوَجْهُ أَنَّ تَقْدِيمَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْمُشْتَقِّ لَا يُفِيدُ بِذَاتِهِ التَّخْصِيصَ وَقَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ بَعْضِ مَوَاقِعِهِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ بِالْقَرَائِنِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ) . مَا يُفِيدُ التَّخْصِيصَ وَلَا يَدْعُو إِلَيْهِ.