فهرس الكتاب

الصفحة 2190 من 4110

[سُورَة الْمَائِدَة(5): الْآيَات 38 إِلَى 39]

(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(38) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)

وَقَوْلُهُ: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) ضَمِيرُ الْخِطَابِ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، كَقَوْلِهِ: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النُّور: 2] .

وَجُمِعَ الْأَيْدِي بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِ نَوْعِ السَّارِقِ.

وَثُنِّيَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبَارِ الصِّنْفَيْنِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَالْجَمْعُ هُنَا مُرَادٌ مِنْهُ التَّثْنِيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) [التَّحْرِيم: 4] .

وَوَجْهُ ذِكْرِ السَّارِقَةِ مَعَ السَّارِقِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَ صِيغَةُ التَّذْكِيرِ فِي السَّارِقِ قَيْدًا بِحَيْثُ لَا يُجْرَى حَدُّ السَّرِقَةِ إِلَّا عَلَى الرِّجَالِ، وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ لَا يُقِيمُونَ لِلْمَرْأَةِ وَزْنًا فَلَا يُجْرُونَ عَلَيْهَا الْحُدُودَ، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَى ذِكْرِ الْأُنْثَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي (سُورَةِ الْبَقَرَةِ:) [178] (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى) .

وَقَدْ سَرَقَتِ الْمَخْزُومِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا وَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: مَنْ يَشْفَعُ لَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَلَمَّا شَفَعَ لَهَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، وَخَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» .

وَفِي تَحْقِيقِ مَعْنَى السَّرِقَةِ وَنِصَابِ الْمِقْدَارِ الْمَسْرُوقِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ وَكَيْفِيَّةِ الْقَطْعِ مَجَالٌ لِأَهْلِ الِاجْتِهَادِ مِنْ عُلَمَاء السّلف وأئمة الْمَذَاهِبِ وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِ الْمُفَسِّرِ.

وَلَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْقُرْآنِ تَحْدِيدُ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ وَتَفَاصِيلِهَا ولكنّه يؤصّل تأوصيلها وَيُحِيلُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ إِلَى مُتَعَارَفِ أَهْلِ اللِّسَانِ مِنْ مَعْرِفَةِ حَقَائِقِهَا وَتَمْيِيزِهَا عَمَّا يُشَابِهُهَا.

وَلَمْ يَذْكُرِ الْقُرْآنُ فِي عُقُوبَةِ السَّارِقِ سِوَى قَطْعِ الْيَدِ.

وَقَدْ كَانَ قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ حُكْمًا مِنْ عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ، قَضَى بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَأَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ كَمَا فِي الْآيَةِ.

وَلَمْ يَرِدْ فِي السُّنَّةِ خَبَرٌ صَحِيحٌ إِلَّا بِقَطْعِ الْيَدِ.

وَأَوَّلُ رَجُلٍ قُطِعَتْ يَدُهُ فِي الْإِسْلَامِ الْخِيَارُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَوَّلُ امْرَأَةٍ قُطِعَتْ يَدُهَا الْمَخْزُومِيَّةُ مُرَّةُ بِنْتُ سُفْيَانَ.

فَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يُبْدَأُ بِهِ فِي عُقُوبَةِ السَّارِقِ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ.

وَالنَّكَالُ: الْعِقَابُ الشَّدِيدُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَصُدَّ الْمُعَاقَبَ عَنِ الْعَوْدِ إِلَى مِثْلِ عَمَلِهِ الَّذِي عُوقِبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّكُولِ عَنِ الشَّيْءِ، أَيِ النُّكُوصِ عَنْهُ وَالْخَوْفِ مِنْهُ.

وَقَوْلُهُ: (فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) أَيْ مَنْ تَابَ مِنَ السَّارِقِينَ مِنْ بَعْدِ السَّرِقَةِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَيْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.

وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ عُقُوبَةِ السَّرِقَةِ عَنِ السَّارِقِ إِنْ تَابَ قَبْلَ عِقَابِهِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ (تَابَ - وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَنَّهُ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فِي جَزَاءِ الْآخِرَةِ فَقَوْلُهُ: (فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ) تَرْغِيبٌ لِهَؤُلَاءِ الْعُصَاةِ فِي التَّوْبَةِ وَبِشَارةٌ لَهُمْ.

وَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ عَلَى إِبْطَالِ حُكْمِ الْعُقُوبَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَمَا فِي آيَةِ الْمُحَارِبِينَ، فَلِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: تَوْبَةُ السَّارِقِ لَا تُسْقِطُ الْقَطْعَ وَلَوْ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

وَيَدُلُّ لِصِحَّةِ قَوْلِهِمْ أنّ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّهَا تَائِبَةٌ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لِأَنَّ الْمُحَارِبَ مُسْتَبِدٌّ بِنَفْسِهِ مُعْتَصِمٌ بِقُوَّتِهِ لَا يَنَالُهُ الْإِمَامُ إِلَّا بِالْإِيجَافِ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَأُسْقِطَ إِجْزَاؤُهُ بِالتَّوْبَةِ اسْتِنْزَالًا مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ كَمَا فَعَلَ بِالْكَافِرِ فِي مَغْفِرَةِ جَمِيعِ مَا سَلَفَ اسْتِئْلَافًا عَلَى الْإِسْلَامِ.

وَأَمَّا السَّارِقُ وَالزَّانِي فَهُمَا فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ، اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت