(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ(73)
وَثَمُودُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْعَرَبِ الْبَائِدَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ ثَمُودَ بْنِ جَاثِرَ - بِجِيمٍ وَمُثَلَّثَةٍ كَمَا فِي «الْقَامُوسِ» - ابْن إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ فَيَلْتَقُونَ مَعَ عَادٍ فِي (إِرَمَ)
وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمْ بِالْحِجْرِ - بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ - بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُسَمَّى الْآنَ مَدَائِنُ صَالِحٍ وَسُمِّي فِي حَدِيثِ غَزْوَةِ تَبُوكٍ: حَجْرَ ثَمُودٍ.
وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ عَبِيلٍ - بِلَامٍ فِي آخِرِهِ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ - ابْنِ آسِفَ بْنِ مَاشِجَ أَوْ شالِخَ بْنِ عَبِيلِ بْنِ جَاثِرَ - وَيُقَالُ كَاثِرَ - ابْنِ ثَمُودَ.
وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ اخْتِلَافٌ فِي حُرُوفِهَا فِي كُتُبِ التَّارِيخِ وَغَيْرِهَا أَحْسَبُهُ مِنَ التَّحْرِيفِ وَهِيَ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ سِوَى عَبِيلٍ فَإِنَّهُ مَضْبُوطٌ فِي سَمِيِّهِ الَّذِي هُوَ جَدُّ قَبِيلَةٍ، كَمَا فِي «الْقَامُوسِ» .
وَثَمُودُ هُنَا مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقَبِيلَةُ لَا جَدُّهَا.
وَأَسْمَاءُ الْقَبَائِلِ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّأْنِيثِ مَعَ الْعَلَمِيَّةِ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ آيَاتِ الْقُرْآنِ مَصْرُوفًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ) [هود: 68] عَلَى اعْتِبَارِ الْحَيِّ فَيَنْتَفِي مُوجِبُ مَنْعِ الصَّرْفِ لِأَنَّ الِاسْمَ عَرَبِيٌّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ الَّتِي عَبَدَتْهَا عَادٌ لِأَنَّ ثَمُودَ وَعَادًا أَبْنَاءُ نَسَبٍ وَاحِدٍ، فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ عَقَائِدُهُمْ مُتَمَاثِلَةٌ.
وَقَوْلُهُ: (هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ) يَقْتَضِي أَنَّ النَّاقَةَ كَانَتْ حَاضِرَةٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) لِأَنَّهَا نَفْسُ الْآيَةِ.
وَالْبَيِّنَةُ: الْحُجَّةُ عَلَى صِدْقِ الدَّعْوَى، فَهِيَ تُرَادِفُ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ (لَكُمْ) أَيْ هِيَ آيَةٌ مُقْنِعَةٌ لَكُمْ وَمَجْعُولَةٌ لِأَجْلِكُمْ، وَتَقْدِيمُهُ لِلِاهْتِمَامِ بِأَنَّهَا كَافِيَةٌ لَهُمْ عَلَى مَا فِيهِمْ مِنْ عِنَادٍ.
وَإِضَافَةُ نَاقَةٍ إِلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَشْرِيفٌ لَهَا لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا وَعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهَا بِسُوءٍ، وَعَظَّمَ حُرْمَتَهَا، كَمَا يُقَالُ: الْكَعْبَةُ بَيْتُ اللَّهِ، أَوْ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بِكَيْفِيَّةٍ خَارِقَةٍ لِلْعَادَةِ، فَلِانْتِفَاءِ مَا الشَّأْنُ أَنْ تُضَافَ إِلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ وُجُودِ أَمْثَالِهَا أُضِيفَتْ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ كَمَا قِيلَ: عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَلِمَةُ اللَّهِ.
وَأَمَّا إِضَافَةُ أَرْضِ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّ لِلنَّاقَةِ حَقًّا فِي الْأَكْلِ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَتِلْكَ النَّاقَةُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَلَهَا الْحَقُّ
فِي الِانْتِفَاعِ بِمَا يَصْلُحُ لانتفاعها.
(وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ) أَيْ بِسُوءٍ يَعُوقُهَا عَنِ الرَّعْيِ إِمَّا بِمَوْتٍ أَوْ بِجَرْحٍ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سَلَامَةَ تِلْكَ النَّاقَةِ عَلَامَةً عَلَى سَلَامَتِهِمْ من عَذَاب الاستئصال لِلْحِكْمَةِ الَّتِي قَدَّمْتُهَا آنِفًا، وَأَنَّ مَا أَوْصَى اللَّهُ بِهِ فِي شَأْنِهَا شَبِيهٌ بِالْحَرَمِ، وَشَبِيهٌ بِحِمَى الْمُلُوكِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى تَعْظِيمِ نُفُوسِ الْقَوْمِ لِمَنْ تُنْسَبُ إِلَيْهِ تِلْكَ الْحُرْمَةُ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ) لِأَنَّهُمْ إِذَا مَسَّهَا أَحَدٌ بِسُوءٍ، عَنْ رِضًى مِنَ الْبَقِيَّةِ، فَقَدْ دَلُّوا عَلَى أَنَّهُمْ خَلَعُوا حُرْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى وحَنِقُوا عَلَى رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَأُنِيطَ النَّهْيُ بِالْمَسِّ بِالسُّوءِ لِأَنَّ الْمَسَّ يَصْدُقُ عَلَى أَقَلِّ اتِّصَالِ شَيْءٍ بِالْجِسْمِ، فَكُلُّ مَا يَنَالُهَا مِمَّا يُرَادُ مِنْهُ السُّوءُ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَسُوؤُهُ إِلَّا مَا فِيهِ أَلَمٌ لِذَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَفْقَهُ الْمَعَانِيَ النَّفْسَانِيَّةَ.