(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)
وَالْكُرْهُ بِضَمِّ الْكَافِ: الْكَرَاهِيَةُ وَنُفْرَةُ الطَّبْعِ مِنَ الشَّيْءِ وَمِثْلُهُ الْكُرْهُ بِالْفَتْحِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: الْكُرْهُ بِالضَّمِّ الْمَشَقَّةُ وَنُفْرَةُ الطَّبْعِ، وَبِالْفَتْحِ هُوَ الْإِكْرَاهُ وَمَا يَأْتِي عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْجَبْرِ عَلَى فِعْلٍ مَا بِأَذًى أَوْ مَشَقَّةٍ، وَحَيْثُ قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ هُنَا وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) [الْأَحْقَاف: 15] وَلَمْ يَكُنْ هُنَا وَلَا هُنَالِكَ مَعْنًى لِلْإِكْرَاهِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ وَإِبَايَةِ الطَّبْعِ.
وَقِيلَ: الْكُرْهُ اسْمٌ للشَّيْء الْمَكْرُوه [[كالخبز] ].
فَالْقِتَالُ كَرِيهٌ لِلنُّفُوسِ، لِأَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْمُقَاتِلِ وَبَيْنَ طُمَأْنِينَتِهِ وَلَذَّاتِهِ وَنَوْمِهِ وَطَعَامِهِ وَأَهْلِهِ وَبَيْتِهِ، وَيُلْجِئُ الْإِنْسَانَ إِلَى عَدَاوَةِ مَنْ كَانَ صَاحِبَهُ وَيُعَرِّضُهُ لِخَطَرِ الْهَلَاكِ أَوْ أَلَمِ الْجِرَاحِ، وَلَكِنَّ فِيهِ دَفْعَ الْمَذَلَّةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ وَاسْتِضْعَافِهِمْ،
وَفِي الْحَدِيثِ «لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ فَإِذَا لَقِيتُمْ فَاصْبِرُوا»
وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْقِتَالَ مِنَ الضَّرُورَاتِ الَّتِي لَا يُحِبُّهَا النَّاسُ إِلَّا إِذَا كَانَ تَرْكُهَا يُفْضِي إِلَى ضُرٍّ عَظِيمٍ قَالَ الْعُقَيْلِيُّ:
وَنَبْكِي حِينَ نَقْتُلُكُمْ عَلَيْكُمْ ... وَنَقْتُلُكُمْ كَأَنَّا لَا نُبَالِي
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَرَاهِيَة الطَّبْع الْفِعْل لَا تُنَافِي تَلَقِّيَ التَّكْلِيفِ بِهِ بِرِضًا لِأَنَّ أَكْثَرَ التَّكْلِيفِ لَا يَخْلُو عَنْ مَشَقَّةٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) تَذْيِيلٌ احْتِيجَ إِلَيْهِ لِدَفْعِ الِاسْتِغْرَابِ النَّاشِئِ عَنْ قَوْلِهِ: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَكْرُوهًا فَكَانَ شَأْنُ رَحْمَةِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ أَلَّا يَكْتُبَهُ عَلَيْهِمْ فَذَيَّلَ بِهَذَا لِدَفْعِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْكَلَامُ تَلَطُّفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ غَنِيًّا عَنِ الْبَيَانِ وَالتَّعْلِيلِ، لِأَنَّهُ يَأْمُرُ فَيُطَاعُ، وَلَكِنْ فِي بَيَان الْحِكْمَة تَخْفِيفًا مِنْ مَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ، وَفِيهِ تَعْوِيدُ الْمُسْلِمِينَ بِتَلَقِّي الشَّرِيعَةِ مُعَلَّلَةً مُذَلَّلَةً فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ حِكْمَةَ التَّكْلِيفِ تَعْتَمِدُ الْمَصَالِحَ وَدَرْءَ الْمَفَاسِدِ، وَلَا تَعْتَمِدُ مُلَاءَمَةَ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتَهُ، إِذْ يَكْرَهُ الطَّبْعُ شَيْئًا وَفِيهِ نَفْعُهُ وَقَدْ يُحِبُّ شَيْئًا وَفِيهِ هَلَاكُهُ، وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْعَوَاقِبِ وَالْغَايَاتِ،
فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ لَذِيذًا مُلَائِمًا وَلَكِنَّ ارْتِكَابَهُ يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ، وَقَدْ يَكُونُ كَرِيهًا مُنَافِرًا وَفِي ارْتِكَابِهِ صَلَاحٌ.
وَشَأْنُ جُمْهُورِ النَّاسِ الْغَفْلَةُ عَنِ الْعَاقِبَةِ وَالْغَايَةِ أَوْ جَهْلُهُمَا، فَكَانَتِ الشَّرَائِعُ وَحَمَلَتُهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ تُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ وَالْعَوَاقِبِ.
فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَافِعَةٍ مَكْرُوهَةً، وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ ضَارَّةٍ مَحْبُوبَةً، وَهَلَّا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى النَّافِعَ كُلَّهُ مَحْبُوبًا وَالضَّارَّ كُلَّهُ مَكْرُوهًا فَتَنْسَاقُ النُّفُوسُ لِلنَّافِعِ بِاخْتِيَارِهَا وَتَجْتَنِبُ الضَّارَّ كَذَلِكَ فَنُكْفَى كُلْفَةَ مَسْأَلَةِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ الَّتِي تَنَاظَرَ فِيهَا الْأَشْعَرِيُّ مَعَ شَيْخِهِ الْجُبَّائِيِّ وَفَارَقَ الْأَشْعَرِيُّ مِنْ أَجْلِهَا نِحْلَةَ الِاعْتِزَالِ؟.
قُلْتُ: إِنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى بَنَتْ نِظَامَ الْعَالَمِ عَلَى وُجُودِ النَّافِعِ وَالضَّارِّ وَالطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ مِنَ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَحْدَاثِ، وَأَوْكَلَ لِلْإِنْسَانِ سُلْطَةَ هَذَا الْعَالَمِ بِحُكْمِ خَلْقِهِ الْإِنْسَانَ صَالَحًا لِلْأَمْرَيْنِ وَأَرَاهُ طَرِيقَيِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً) [الْبَقَرَة: 213]
وَقَدِ اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ النَّافِعُ أَكْثَرَ مِنَ الضَّارِّ وَلَعَلَّ وُجُودَ الْأَشْيَاءِ الضَّارَّةِ كَوَّنَهُ اللَّهُ لِتَكُونَ آلَةً لِحَمْلِ نَاسٍ عَلَى اتِّبَاعِ النَّافِعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) [الْحَدِيد: 25]
وَقَدْ أَقَامَ نِظَامَ هَذَا الْعَالَمِ عَلَى وُجُودِ الْمُتَضَادَّاتِ، وَجَعَلَ الْكَمَالَ الْإِنْسَانِيَّ حَاصِلًا عِنْدَ حُصُولِ جَمِيعِ الصِّفَاتِ النَّافِعَةِ فِيهِ، بِحَيْثُ إِذَا اخْتَلَّتْ بَعْضُ الصِّفَاتِ النَّافِعَةِ مِنْهُ انْتُقِصَتْ بَقِيَّةُ الصِّفَاتِ النَّافِعَةِ مِنْهُ أَوِ اضْمَحَلَّتْ، وَجَعَلَ اللَّهُ الْكَمَالَ أَقَلَّ مِنَ النَّقْصِ لِتَظْهَرَ مَرَاتِبُ النُّفُوسِ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَمَبَالِغُ الْعُقُولِ الْبَشَرِيَّةِ فِيهِ، فَاكْتَسَبَ النَّاسُ وَضَيَّعُوا وَضَرُّوا وَنَفَعُوا فَكَثُرَ الضَّارُّ وَقَلَّ النَّافِعُ بِمَا كَسَبَ النَّاسُ وَفَعَلُوا قَالَ تَعَالَى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) [100] .
وَكَمَا صَارَتِ الذَّوَاتُ الْكَامِلَةُ الْفَاضِلَةُ أَقَلَّ مِنْ ضِدِّهَا صَارَتْ صِفَاتُ الْكَمَالِ عَزِيزَةَ الْمَنَالِ، وَأُحِيطَتْ عِزَّتُهَا وَنَفَاسَتُهَا بِصُعُوبَةِ مَنَالِهَا عَلَى الْبَشَرِ وَبِمَا يَحُفُّ بِهَا مِنَ الْخَطَرِ وَالْمَتَاعِبِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِمَّا تَنْسَاقُ لَهَا النُّفُوسُ بِسُهُولَةٍ لَاسْتَوَى فِيهَا النَّاسُ فَلَمْ تَظْهَرْ مَرَاتِبُ الْكَمَالِ وَلَمْ يَقَعِ التَّنَافُسُ بَيْنَ النَّاسِ فِي تَحْصِيلِ الْفَضَائِلِ وَاقْتِحَامِ الْمَصَاعِبِ لِتَحْصِيلِهَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:
وَلَا فَضْلَ فِيهَا لِلشَّجَاعَةِ وَالنَّدَى ... وَصَبْرِ الْفَتَى لَوْلَا لِقَاءِ شَعُوبِ
فَهَذَا سَبَبُ صُعُوبَةِ الْكِمَالَاتِ عَلَى النُّفُوسِ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ نِظَامَ الْوُجُودِ فِي هَذَا الْعَالَمِ بِتَوَلُّدِ الشَّيْءِ مِنْ بَيْنِ شَيْئَيْنِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِازْدِوَاجِ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا التَّوَلُّدَ يَحْصُلُ فِي الذَّوَاتِ بِطَرِيقَةِ التَّوَلُّدِ الْمَعْرُوفَةِ قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) [الرَّعْد: 3] وَأَمَّا حُصُولُهُ فِي الْمَعَانِي، فَإِنَّمَا يَكُونُ بِحُصُولِ الصِّفَةِ من بَين معنيي صِفَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ تَتَعَادَلَانِ فِي نَفْسٍ فَيَنْشَأُ عَنْ تَعَادُلِهِمَا صِفَةٌ ثَالِثَةٌ.
وَالْفَضَائِلُ جُعِلَتْ مُتَوَلَّدَةً مِنَ النَّقَائِصِ فَالشَّجَاعَةُ مِنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَالْكَرَمُ مِنَ السَّرَفِ وَالشُّحِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُتَوَلَّدَ مِنْ شَيْئَيْنِ يَكُونُ أَقَلَّ مِمَّا تُوُلِّدَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ أَقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ، إِذْ لَيْسَ كُلَّمَا وُجِدَ الصِّفَتَانِ حَصَلَ مِنْهُمَا تَوَلُّدُ صِفَةٍ ثَالِثَةٍ، بَلْ حَتَّى يَحْصُلَ التَّعَادُلُ وَالتَّكَافُؤُ بَيْنَ تَيْنَكِ الصِّفَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ وَذَلِكَ عَزِيزُ الْحُصُولِ وَلَا شَكَّ أَنْ هَاتِهِ النُّدْرَةَ قَضَتْ بِقِلَّةِ اعْتِيَادِ النُّفُوسِ هَاتِهِ الصِّفَاتِ، فَكَانَتْ صَعْبَةً عَلَيْهَا لِقِلَّةِ اعْتِيَادِهَا إِيَّاهَا.
وَوَرَاءَ ذَلِكَ فَاللَّهُ حَدَّدَ لِلنَّاسِ نِظَامًا لِاسْتِعْمَالِ الْأَشْيَاءِ النَّافِعَةِ وَالضَّارَّةِ فِيمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ، فَالتَّبِعَةُ فِي صُورَةِ اسْتِعْمَالِهَا عَلَى الْإِنْسَانِ وَهَذَا النِّظَامُ كُلُّهُ تَهْيِئَةٌ لِمَرَاتِبِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْعَالَمِ الْأَبَدِيِّ عَالَمِ الْخُلُودِ وَهُوَ الدَّارُ الْآخِرَةُ كَمَا يُقَالُ: «الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ»
وَبِهَذَا تَكْمُلُ نَظَرِيَّةُ النَّقْضِ الَّذِي نَقَضَ بِهِ الشَّيْخُ الْأَشْعَرِيُّ عَلَى شَيْخِهِ الْجُبَّائِيِّ أَصْلَهُمْ فِي وُجُوبِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ فَيَكُونُ بَحْثُ الْأَشْعَرِيِّ نَقْضًا وَكَلَامُنَا هَذَا سَنَدًا وَانْقِلَابًا إِلَى اسْتِدْلَالٍ.