فهرس الكتاب

الصفحة 2702 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 100]

(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ(100)

وَهَذَا انْتِقَالٌ إِلَى ذِكْرِ شِرْكٍ آخَرَ مِنْ شِرْكِ الْعَرَبِ وَهُوَ جَعْلُهُمُ الْجِنَّ شُرَكَاءَ لِلَّهِ فِي عِبَادَتِهِمْ كَمَا جَعَلُوا الْأَصْنَامَ شُرَكَاءَ لَهُ فِي ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ: (الْجِنَّ) مَفْعُولُ أَوَّلُ (جَعَلُوا) و (شُرَكاءَ) مَفْعُولُهُ الثَّانِي، لِأَنَّ الْجِنَّ الْمَقْصُودُ مِنَ السِّيَاقِ لَا مُطْلَقُ الشُّرَكَاءِ، لِأَنَّ جَعْلَ الشُّرَكَاءِ لِلَّهِ قَدْ تَقَرَّرَ مِنْ قَبْلُ.

وَقَدَّمَ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ تَعْجِيبٍ وَإِنْكَارٍ فَصَارَ لِذَلِكَ أَهَمَّ وَذِكْرُهُ أَسْبَقَ.

وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى الْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ: (لِلَّهِ شُرَكاءَ) لِلِاهْتِمَامِ والتعجيب من خطل عُقُولِهِمْ إِذْ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شُرَكَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ الْجِنِّ، فَهَذَا التَّقْدِيمُ جَرَى عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِأَجْلِ مَا اقْتَضَى خِلَافَهُ.

وَكَلَامُ «الْكَشَّافِ» يَجْعَلُ تَقْدِيمَ الْمَجْرُورِ فِي الْآيَةِ لِلِاهْتِمَامِ بِاعْتِقَادِهِمُ الشَّرِيكِ لِلَّهِ اهْتِمَامًا فِي مَقَامِهِ وَهُوَ الِاسْتِفْظَاعُ وَالْإِنْكَارُ التَّوْبِيخِيُّ.

وَتَبِعَهُ فِي «الْمِفْتَاحِ» إِذْ قَالَ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ الْمَعْمُولَاتِ عَلَى بَعْضٍ «لِلْعِنَايَةِ بِتَقْدِيمِهِ لِكَوْنِهِ نُصْبَ عَيْنِكَ كَمَا تَجِدُكَ إِذَا قَالَ لَكَ أَحَدٌ: عَرَفْتَ شُرَكَاءَ لِلَّهِ، يَقِفُ شَعْرُكَ وَتَقُولُ: لِلَّهِ شُرَكَاءُ.

وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ) اهـ.

فَيَكُونُ تَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ.

وَالْجِنُّ - بِكَسْرِ الْجِيمِ - اسْمٌ لِمَوْجُودَاتٍ مِنَ الْمُجَرَّدَاتِ الَّتِي لَا أَجْسَامَ لَهَا ذَاتُ طَبْعٍ نَارِيٍّ، وَلَهَا آثَارٌ خَاصَّةٌ فِي بَعْضِ تَصَرُّفَاتٍ تُؤَثِّرُ فِي بَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ مَا لَا تُؤَثِّرُهُ الْقُوَى الْعَظِيمَةُ.

وَهِيَ مِنْ جِنْسِ الشَّيَاطِينِ لَا يُدْرَى أَمَدُ وُجُودِ أَفْرَادِهَا وَلَا كَيْفِيَّةُ بَقَاءِ نَوْعِهَا.

وَقَدْ أَثْبَتَهَا الْقُرْآنُ عَلَى الْإِجْمَالِ، وَكَانَ لِلْعَرَبِ أَحَادِيثُ فِي تَخَيُّلِهَا.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَخَرَقُوا - بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ -، وَقَرَأَهُ نَافِعٌ، وَأَبُو جَعْفَرٍ - بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ -.

وَالْخَرْقُ: أَصْلُهُ الْقَطْعُ وَالشَّقُّ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ الْقَطْعُ وَالشَّقُّ عَلَى سَبِيلِ الْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ تَدَبُّرٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها) [الْكَهْف: 71] .

وَهُوَ ضِدُّ الْخَلْقِ، فَإِنَّهُ فَعْلُ الشَّيْءِ بِتَقْدِيرٍ وَرِفْقٍ، وَالْخَرْقُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ.

وَلَمْ يُقَيِّدْهُ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ.

وَأَيًّا مَا كَانَ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ الْخَرْقُ مَجَازًا فِي الْكَذِبِ كَمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ افْتَرَى وَاخْتَلَقَ مِنَ الْفَرْيِ وَالْخَلْقِ.

وَقِرَاءَةُ نَافِعٍ تُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي الْفِعْل لأنّ التّفعل يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ حُصُولِ الْفِعْلِ.

وَقَوْلُهُ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَرَقُوا) أَيِ اخْتَلَقُوا اخْتِلَاقًا عَنْ جَهْلٍ وَضَلَالَةٍ، لِأَنَّهُ اخْتِلَاقٌ لَا يَلْتَئِمُ مَعَ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ فَقَدْ رَمَوْا بِقَوْلِهِمْ عَنْ عَمًى وَجَهَالَةٍ.

وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ مُلَابِسًا تَخْرِيقَهُمْ غَيْرَ الْعِلْمِ فَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالْجَهْلِ بَدْءًا وَغَايَةً، فَهُمْ قَدِ اخْتَلَقُوا بِلَا دَاعٍ وَلَا دَلِيلٍ وَلَمْ يَجِدُوا لِمَا اخْتَلَقُوهُ تَرْوِيجًا، وَقَدْ لَزِمَهُمْ بِهِ لَازِمُ الْخَطَلِ وَفَسَادُ الْقَوْلِ وَعَدَمُ الْتِئَامِهِ، فَهَذَا مَوْقِعُ بَاءِ الْمُلَابَسَةِ فِي الْآيَةِ الَّذِي لَا يُفِيدُ مُفَادُهُ غَيْرَهُ.

وَمَعْنَى: (تَعالى) ارْتَفَعَ، وَهُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الْعُلُوِّ.

وَالتَّفَاعُلُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِاتِّصَافِ.

وَالْعُلُوُّ هُنَا مَجَازٌ، أَيْ كَوْنُهُ لَا يَنْقُصُهُ مَا وَصَفُوهُ بِهِ، أَيْ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الِاتِّصَافَ بِمِثْلِ ذَلِكَ نَقْصٌ وَهُوَ لَا يَلْحَقُهُ النَّقْصُ فَشُبِّهَ التَّحَاشِي عَنِ النَّقَائِصِ بِالِارْتِفَاعِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُرْتَفِعَ لَا تَلْتَصِقُ بِهِ الْأَوْسَاخُ الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تَكُونَ مَطْرُوحَةً عَلَى الْأَرْضِ، فَكَمَا شَبَّهَ النَّقْصَ بِالسَّفَالَةِ شَبَّهَ الْكَمَالَ بِالْعُلُوِّ، فَمَعْنَى (تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ) أَنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت