فهرس الكتاب

الصفحة 2510 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 38]

(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(38)

وَقَوْلُهُ: (فِي الْأَرْضِ) صِفَةٌ قُصِدَ مِنْهَا إِفَادَةُ التَّعْمِيمِ وَالشُّمُولِ بِذِكْرِ اسْمِ الْمَكَانِ الَّذِي يَحْوِي جَمِيعَ الدَّوَابِّ وَهُوَ الْأَرْضُ، وَكَذَلِكَ وَصْفُ طائِرٍ بِقَوْلِهِ (يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ)

قَصَدَ بِهِ الشُّمُولَ وَالْإِحَاطَةَ، لِأَنَّهُ وَصْفٌ آيِلٌ إِلَى مَعْنَى التَّوْكِيدِ، لِأَنَّ مُفَادَ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ أَنَّهُ طَائِرٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَا طَائِرٌ وَلَا طَائِرٌ.

وَالتَّوْكِيدُ هُنَا يُؤَكِّدُ مَعْنَى الشُّمُولِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ (مِنَ) الزَّائِدَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَحَصَلَ مِنْ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ تَقْرِيرُ مَعْنَى الشُّمُولِ الْحَاصِلِ مِنْ نَفْيِ اسْمَيِ الْجِنْسَيْنِ.

وَنُكْتَةُ التَّوْكِيدِ أَنَّ الْخَبَرَ لِغَرَابَتِهِ عِنْدَهُمْ وَكَوْنِهِ مَظِنَّةَ إِنْكَارِهِمْ أَنَّهُ حَقِيقٌ بِأَنْ يُؤَكَّدَ.

وَأَحْسَبُ أَنَّ لَفْظَ (أُمَّةٍ) خَاصٌّ بِالْجَمَاعَةِ الْعَظِيمَةِ مِنَ الْبَشَرِ، فَلَا يُقَالُ فِي اللُّغَةِ أُمَّةُ الْمَلَائِكَةِ وَلَا أُمَّةُ السِّبَاعِ.

فَأَمَّا إِطْلَاقُ الْأُمَمِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهُوَ مَجَازٌ، أَيْ مِثْلُ الْأُمَمِ لِأَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا تَجْتَمِعُ أَفْرَادُهُ فِي صِفَاتٍ مُتَّحِدَةٍ بَيْنَهَا أُمَمًا وَاحِدَةً، وَهُوَ مَا يَجْمَعُهَا وَأَحْسَبُ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْبَشَرِ.

ودَابَّةٍ وطائِرٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يُرَادُ بِهِمَا جَمِيعُ أَفْرَادِ النَّوْعَيْنِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الِاسْتِغْرَاقِ، فَالْإِخْبَارُ عَنْهُمَا بِلَفْظِ أُمَمٌ وَهُوَ جَمْعٌ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِجَمَاعَاتِهَا، أَيْ إِلَّا جَمَاعَاتُهَا أُمَمٌ، أَوْ إِلَّا أَفْرَادُ أُمَمٍ.

وَتَشْمَلُ الْأَرْضُ الْبَحْرَ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَرْضِ وَلِأَنَّ مَخْلُوقَاتِهِ يُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ الدَّابَّةِ.

كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ سَرِيَّةِ سَيْفِ الْبَحْرِ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا الْعَنْبَرُ.

وَالْمُمَاثَلَةُ فِي قَوْلِهِ: (أَمْثالُكُمْ) التَّشَابُهُ فِي فُصُولِ الْحَقَائِقِ وَالْخَاصَّاتِ الَّتِي تُمَيِّزُ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَهِيَ النُّظُمُ الْفِطْرِيَّةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْوَاعَ الْمَخْلُوقَاتِ.

فَالدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ تُمَاثِلُ الْأَنَاسِيَّ فِي أَنَّهَا خُلِقَتْ عَلَى طَبِيعَةٍ تَشْتَرِكُ فِيهَا أَفْرَادُ أَنْوَاعِهَا وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ مُعْطَاةٌ حَيَاةً مُقَدَّرَةً مَعَ تَقْدِيرِ أَرْزَاقِهَا وَوِلَادَتِهَا وَشَبَابِهَا وَهِرَمِهَا، وَلَهَا نُظُمٌ لَا تَسْتَطِيعُ تَبْدِيلَهَا.

وَلَيْسَتِ الْمُمَاثَلَةُ بِرَاجِعَةٍ إِلَى جَمِيعِ الصِّفَاتِ فَإِنَّهَا لَا تُمَاثِلُ الْإِنْسَانَ فِي التَّفْكِيرِ وَالْحَضَارَةِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنَ الْفِكْرِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ.

وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْإِنْسَانِ نِظَامُ دَوْلَةٍ وَلَا شَرَائِعُ وَلَا رُسُلٌ تُرْسَلُ إِلَيْهِنَّ لِانْعِدَامِ عَقْلِ التَّكْلِيفِ فِيهِنَّ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ تُوصَفَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَالشَّيْءُ هُوَ الْمَوْجُودُ.

وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَحْوَالُ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ فَشَمِلَ أَحْوَالَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ فَإِنَّهَا مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُقَدَّرَةٌ عِنْدِهِ بِمَا أَوْدَعَ فِيهَا مِنْ حِكْمَةِ خَلْقِهِ تَعَالَى.

وَفِي الْآيَةِ تَنْبِيهٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الرِّفْقِ بِالْحَيَوَانِ فَإِنَّ الْإِخْبَارَ بِأَنَّهَا أُمَمٌ أَمْثَالُنَا تَنْبِيهٌ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الْمَخْلُوقِيَّةِ وَصِفَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ كُلِّهَا.

وَفِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) إِلْقَاءً لِلْحَذَرِ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا بِمَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ مِنْ تَعْذِيبِهَا وَإِذَا كَانَ يُقْتَصُّ لِبَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ وَهِيَ غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ، فَالِاقْتِصَاصُ مِنَ الْإِنْسَانِ لَهَا أَوْلَى بِالْعَدْلِ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ اللَّهَ شَكَرَ لِلَّذِي سَقَى الْكَلْبَ الْعَطْشَانَ، وَأَنَّ اللَّهَ أَدْخَلَ امْرَأَةً النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا فَمَاتَتْ جوعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت