فهرس الكتاب

الصفحة 2600 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): الْآيَات 72 إلى 73]

(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)

وَجَمَعَ قَوْلُهُ: (وَاتَّقُوهُ) جَمِيعَ أُمُورِ الدِّينِ، وَتَخْصِيصُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمَامِ.

(وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)

وَفِي هَذَا إِثْبَاتٌ لِلْحَشْرِ عَلَى مُنْكِرِيهِ وَتَذْكِيرٌ بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ تَحْرِيضًا عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالتَّقْوَى.

وَاشْتَمَلَتْ جُمْلَةُ (وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) عَلَى عِدَّةِ مُؤَكِّدَاتٍ وَهِيَ: صِيغَةُ الْحَصْرِ بِتَعْرِيفِ الْجُزْأَيْنِ، وَتَقْدِيمُ مَعْمُولِ (تُحْشَرُونَ) الْمُفِيدُ لِلتَّقَوِّي لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْقِيقُ وُقُوعِ الْحَشْرِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَتَحْقِيقُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْحُصْرُ هُنَا حَقِيقِيٌّ إِذْ هُمْ لَمْ يُنْكِرُوا كَوْنَ الْحَشْرِ إِلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا وُقُوعَ الْحَشْرِ، فَسَلَكَ فِي إِثْبَاتِهِ طَرِيقَ الْكِنَايَةِ بِقَصْرِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَلْزِمِ وُقُوعَهُ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، تَعْرِيضًا بِأَنَّ آلِهَتَهُمْ لَا تُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا.

وَجُمْلَةُ: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ) عَطْفٌ عَلَى (وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) وَالْقَصْرُ حَقِيقِيٌّ إِذْ لَيْسَ ثَمَّ رَدِّ اعْتِقَادٍ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.

فَالْمَقْصُودُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْقَصْرِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ لِأَنَّ الْخَلَائِقَ عَبِيدُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) [النَّحْل: 17] .

وَالْبَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: (بِالْحَقِّ) لِلْمُلَابَسَةِ.

وَقَدْ أَشْكَلَ نَظْمُ قَوْلِهِ: (وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ) وَذَهَبَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ طَرَائِقَ.

وَالْوَجْهُ أَنَّ قَوْلَهُ (وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ) ظَرْفٌ وَقَعَ خَبَرُهُ مُقَدَّمًا لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، وَالْمُبْتَدَأُ هُوَ (قَوْلُهُ) وَيَكُونُ (الْحَقُّ) صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ.

وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ: وَقَوْلُهُ الْحَقُّ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ.

وَنُكْتَةُ الِاهْتِمَامِ بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْمُنْكِرِينَ وُقُوعَ هَذَا التَّكْوِينِ بَعْدَ الْعَدَمِ.

وَوَصْفُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ الْحَقُّ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَيْضًا.

وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ عَيْنُ الْمَقُولِ لِفِعْلِ يَقُولُ كُنْ، وَحَذْفُ الْمَقُولِ لَهُ كُنْ لِظُهُورِهِ مِنَ الْمَقَامِ، أَيْ يَقُولُ لِغَيْرِ الْمَوْجُودِ الْكَائِنِ: كُنْ.

وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَنْشَأَ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِالْحَقِّ، وَأَنَّهُ يُعِيدُ الْخَلْقَ الَّذِي بَدَأَهُ بِقَوْلٍ حَقٍّ، فَلَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْ تَكْوِينِهِ الْأَوَّلِ وَلَا مِنْ تَكْوِينِهِ الثَّانِي عَنِ الْحَقِّ.

وَيَتَضَمَّنُ أَنَّهُ قَوْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، وَهُوَ الْخَلْقُ الثَّانِي الْمُقَابِلُ لِلْخَلْقِ الْأَوَّلِ، وَلِذَلِكَ أُتِيَ بِكَلِمَةِ (يَوْمَ) لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ تَكْوِينٌ خَاصٌّ مُقَدَّرٌ لَهُ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: (قَوْلُهُ الْحَقُّ) صِيغَةُ قَصْرٍ لِلْمُبَالِغَةِ، أَيْ هُوَ الْحَقُّ الْكَامِلُ لِأَنَّ أَقْوَالَ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْحَقِّ فَهِيَ مُعَرَّضَةٌ لِلْخَطَأِ وَمَا كَانَ فِيهَا غَيْرَ مُعَرَّضٍ لِلْخَطَأِ فَهُوَ مِنْ وَحْيِ اللَّهِ أَوْ مِنْ نِعْمَتِهِ بِالْعَقْلِ وَالْإِصَابَةِ، فَذَلِكَ اعْتِدَادٌ بِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى فَضْلِ اللَّهِ.

وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ فِي يَوْمِ الْحَشْرِ، وَهُوَ يَوْمُ يَقُولُ كُنْ، مِنْ أَمْرِ تَكْوِينٍ، أَوْ أَمْرِ ثَوَابٍ، أَوْ عِقَابٍ، أَوْ خَبَرٍ بِمَا اكْتَسَبَهُ النَّاسُ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ وَأَضْدَادِهَا، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ حَقٌّ.

وَخَصَّ مِنْ بَيْنِ الْأَقْوَالِ أَمْرَ التَّكْوِينِ لِمَا اقْتَضَاهُ التَّقْدِيمُ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ كَمَا عَلِمْتَ.

وَقَوْلُهُ (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ)

فِي تَقْدِيمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ قَصْرُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ، أَيِ الْمُلْكُ مَقْصُورٌ عَلَى الْكَوْنِ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ لِرَدِّ مَا عَسَى أَنْ يَطْمَعَ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مُشَارَكَةِ أَصْنَامِهِمْ يَوْمَئِذٍ فِي التَّصَرُّفِ وَالْقَضَاءِ.

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الظَّرْفِ تَهْوِيلُ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

وَالتَّعْرِيفُ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ عَالِمٌ كُلَّ غَيْبٍ وَكُلَّ شَهَادَةٍ.

وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: (عالِمُ الْغَيْبِ) .

وَصِفَةُ الْحَكِيمُ تَجْمَعُ إِتْقَانَ الصُّنْعِ فَتَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْقُدْرَةِ مَعَ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالْمَصْنُوعَاتِ.

وَصِفَةُ الْخَبِيرُ تَجْمَعُ الْعِلْمَ بِالْمَعْلُومَاتِ ظَاهِرِهَا وَخَفِيِّهَا.

فَكَانَتِ الصِّفَتَانِ كَالْفَذْلَكَةِ لِقَوْلِهِ: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) وَلِقَوْلِهِ (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت