فهرس الكتاب

الصفحة 2916 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): الْآيَات 155 إِلَى 157]

(وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157)

وَافْتِتَاحُ الْجُمْلَةِ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ، وَبِنَاءُ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، وَجَعْلُ الْكِتَابِ الَّذِي حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ: أَنْزَلْناهُ مُبْتَدَأً، كُلُّ ذَلِكَ لِلِاهْتِمَامِ بِالْكِتَابِ وَالتَّنْوِيهِ بِهِ.

وَتَفْرِيعُ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ عَلَى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ، وَكَوْنِهِ مُبَارَكًا، ظَاهِرٌ: لِأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَرَدَّدُ أَحَدٌ فِي اتِّبَاعِهِ.

وَالِاتِّبَاعُ أُطْلِقَ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.

وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: (فَاتَّبِعُوهُ) لِلْمُشْرِكِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا) .

وَفِي قَوْلِهِ: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وَعْدٌ عَلَى اتِّبَاعِهِ وَتَعْرِيضٌ بِالْوَعِيدِ بِعَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ.

وَقَوْلُهُ: (أَنْ تَقُولُوا)

التَّقْدِيرُ: لِأَنْ تَقُولُوا، أَيْ لِقَوْلِكُمْ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

أَيْ لِمُلَاحَظَةِ قَوْلِكُمْ وَتَوَقُّعِ وُقُوعِهِ، فَالْقَوْلُ بَاعِثٌ عَلَى إِنْزَالِ الْكِتَابِ.

وَالْكِتَابُ مُرَادٌ بِهِ الْجِنْسُ الْمُنْحَصِرُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ.

وَمَعْنَى إِنْزَالُ الْكِتَابِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَلَمْ يَكُنِ الْعَرَبُ مُخَاطَبِينَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَهَذَا تَعَلُّلٌ أَوَّلُ مِنْهُمْ، وَثَمَّةُ اعْتِلَالٌ آخَرُ عَنِ الزَّهَادَةِ فِي التَّخَلُّقِ بِالْفَضَائِلِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: وَهُوَ قَوْلُهُمْ: (وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ) أَيْ وَأَنَّا كُنَّا غَافِلِينَ عَنِ اتِّبَاعِ رُشْدِهِمْ لِأَنَّا لَمْ نَتَعَلَّمْ، فَالدِّرَاسَةُ مُرَادٌ بِهَا التَّعْلِيمُ.

وَالدِّرَاسَةُ: الْقِرَاءَةُ بِمُعَاوَدَةٍ لِلْحِفْظِ أَوْ لِلتَّأَمُّلِ، فَلَيْسَ سَرْدُ الْكِتَابِ بِدِرَاسَةٍ.

وَقَوْلُهُ: (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ) تَدَرُّجٌ فِي الِاعْتِلَالِ جَاءَ عَلَى مَا تُكِنَّهُ نُفُوسُ الْعَرَبِ مِنْ شُفُوفِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ عَلَى بَقِيَّةِ الْأُمَمِ، وَتَطَلُّعِهِمْ إِلَى مَعَالِي الْأُمُورِ، وَإِدْلَالِهِمْ بِفِطْنَتِهِمْ وَفَصَاحَةِ أَلْسِنَتِهِمْ وَحِدَّةِ أَذْهَانِهِمْ وَسُرْعَةِ تَلَقِّيهِمْ، وَهُمْ أَخْلِقَاءُ بِذَلِكَ كُلِّهِ.

وَفِي الْإِعْرَابِ عَنْ هَذَا الِاعْتِلَالِ مِنْهُمْ تَلْقِينٌ لَهُمْ، وَإِيقَاظٌ لِإِفْهَامِهِمْ أَنْ يَغْتَبِطُوا بِالْقُرْآنِ، وَيَفْهَمُوا مَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ بَيْنَ الْأُمَمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [الْأَنْبِيَاء: 10] .

(فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) يَعْنِي الْقُرْآنَ.

فَالْقُرْآنُ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِإِعْجَازِهِ بُلَغَاءَ الْعَرَبِ، وَهُوَ هَدْيٌ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنِ الْإِرْشَاد إِلَى طرق الْخَيْرِ، وَهُوَ رَحْمَةٌ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ شَرِيعَةٍ سَمْحَةٍ لَا حَرَجَ فِيهَا، فَهِيَ مُقِيمَةٌ لِصَلَاحِ الْأُمَّةِ مَعَ التَّيْسِيرِ.

وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ التَّشْرِيعِ وَهُوَ أَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ الْعَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ.

وَتَفَرَّعَ عَنْ هَذَا الْإِعْذَارِ لَهُمُ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا أَظْلَمَ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا وَأَعْرَضُوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت