(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(11)
وَافْتِتَاحُ الِاسْتِئْنَافِ بِالنِّدَاءِ لِيَحْصُلَ إِقْبَالُ السَّامِعِينَ عَلَى سَمَاعِهِ.
وَلَفْظُ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وَمَا مَعَهُ مِنْ ضَمَائِرِ الْجَمْعِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْحَادِثَةَ تَتَعَلَّقُ بِجَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ.
وَقَدْ أَجْمَلَ النِّعْمَةَ ثُمَّ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ) .
وَبَسْطُ الْيَدِ مَجَازٌ فِي الْبَطْشِ قَالَ تَعَالَى: (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ) [الممتحنة: 2] وَيُطْلَقُ عَلَى السُّلْطَةِ مَجَازًا أَيْضًا، كَقَوْلِهِمْ: يَجِبُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى كُلِّ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ فِي الْأَرْضِ وَعَلَى الْجُودِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) [الْمَائِدَة: 64] .
وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي مُحَاوَلَةِ الْإِمْسَاكِ بِشَيْءٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ ابْنِ آدَمَ (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) [الْمَائِدَة: 28] .
وَأَمَّا كَفُّ الْيَدِ فَهُوَ مَجَازٌ عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنِ السُّوءِ خَاصَّةً (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ) [الْفَتْح: 20] .
وَالْأَمْرُ بِالتَّقْوَى عَقِبَ ذَلِكَ لأنّها أظهر للشكر، فَعَطَفَ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى بِالْوَاوِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ التَّقْوَى مَقْصُودَةٌ لِذَاتِهَا، وَأَنَّهَا شُكْرٌ لِلَّهِ بِدَلَالَةِ وُقُوعِ الْأَمْرِ عَقِبَ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةٍ عُظْمَى.