(بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(101)
شُرُوعٌ فِي الْإِخْبَارِ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ تُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَقْوِيَةَ التَّنْزِيهِ فِي قَوْلِهِ: (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ) [الْأَنْعَام: 100] فَتَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ ذَلِكَ التَّنْزِيهِ بِمَضْمُونِهَا أَيْضًا، لِأَنَّ ذَلِكَ التَّنْزِيهَ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الشَّيْءِ الْمُنَزَّهِ عَنْهُ وَإِبْطَالُهُ، فَعُلِّلَ الْإِبْطَالُ بِأَنَّهُ خَالِقُ أَعْظَمِ الْمَخْلُوقَاتِ دَلَالَةً عَلَى الْقُدْرَةِ فَإِذَا كُنْتُمْ تَدَّعُونَ بُنُوَّةَ الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ لِأَجْلِ عَظَمَتِهَا فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ الْجِنَّ وَلَا الْمَلَائِكَة فَلِمَاذَا لَمْ تَدَّعُوا الْبُنُوَّةَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْمُشَاهَدَةِ لَكُمْ وَأَنْتُمْ تَرَوْنَهَا وَتَرَوْنَ عِظَمَهَا.
فَهَذَا الْإِبْطَالُ بِمَنْزِلَةِ النَّقْضِ فِي عِلْمِ الْجَدَلِ وَالْمُنَاظَرَةِ.
وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى انْتِفَاءِ الْبُنُوَّةِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِبْدَاعِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِأَنَّ خَلْقَ الْمَحَلِّ يَقْتَضِي خَلْقَ الْحَالِّ فِيهِ، فَالْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ فِي السَّمَاءِ وَأَنَّ الْجِنَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَيَافِي، فَيَلْزَمُهُمْ حُدُوثُ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَإِلَّا لَوُجِدَ الْحَالُّ قَبْلَ وُجُودِ الْمَحَلِّ، وَإِذا ثَبت الْحُدُوث ثَبَتَ انْتِفَاءُ الْبُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ ابْنَ الْإِلَهِ لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَهًا فَيَلْزَمُ قِدَمُهُ، كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ حُدُوثُهُ،
وَلِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُمُ (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) بِقَوْلِهِ: (سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ) فِي (سُورَةِ الْبَقَرَةِ) [116] .
وَجُمْلَةُ (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ) تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ التَّنْزِيهِ مِنَ الْإِبْطَالِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُعْطَفْ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا لِاخْتِلَافِ طَرِيقِ الْإِبْطَالِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى أَبْطَلَتْ دَعْوَاهُمْ مِنْ جِهَةِ فَسَادِ الشُّبْهَةِ فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ النَّقْضِ فِي الْمُنَاظَرَةِ.
وَالصَّاحِبَةُ: الزَّوْجَةُ لِأَنَّهَا تُصَاحِبُ الزَّوْجَ فِي مُعْظَمِ أَحْوَالِهِ.
وَقَدْ جَعَلَ انْتِفَاءَ الزَّوْجَةِ مُسَلَّمًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوهُ فَلَزِمَهُمُ انْتِفَاءُ الْوَلَدِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ التَّوَلُّدِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُحَاجَّةِ الْعُرْفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمَعْلُومُ فِي حَقِيقَةِ الْوِلَادَةِ.