(وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ(46)
وَهَذَا تَكْذِيبٌ لزعمهم أنّهم تهيّأوا لِلْغَزْوِ ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُمُ الْأَعْذَارُ فَاسْتَأْذَنُوا فِي الْقُعُودِ لِأَنَّ عَدَمَ إِعْدَادِهِمُ الْعُدَّةَ لِلْجِهَادِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ إِرَادَتِهِمُ الْخُرُوجَ إِلَى الْغَزْوِ.
والعدّة بِضَمِّ الْعَيْنِ: مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ، كَالسِّلَاحِ لِلْمُحَارِبِ، وَالزَّادِ لِلْمُسَافِرِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْإِعْدَادِ وَهُوَ التَّهْيِئَةُ.
(وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ)
صِيغَ الِاسْتِدْرَاكُ بِذِكْرِ عِلَّتِهِ اهْتِمَامًا بِهَا، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ عَدَمَ إِرَادَتِهِمُ الْخُرُوجَ كَانَ حِرْمَانًا مِنَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، وَعِنَايَةً بِالْمُسْلِمِينَ فَجَاءَ الْكَلَامُ بِنَسْجٍ بَدِيعٍ وَحَصَلَ التَّأْكِيدُ مَعَ فَوَائِدَ زَائِدَةٍ.
وَتَثْبِيطُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ: أَنْ خَلَقَ فِيهِمُ الْكَسَلَ وَضَعْفَ الْعَزِيمَةِ عَلَى الْغَزْوِ.
وَالْقُعُودُ: مُسْتَعْمَلٌ فِي تَرْكِ الْغَزْوِ تَشْبِيهًا لِلتَّرْكِ بِالْجُلُوسِ.
وَالْقَوْل: الَّذِي فِي (وَقِيلَ اقْعُدُوا) قَوْلُ أَمْرِ التَّكْوِينِ: أَيْ كَوَّنَ فِيهِمُ الْقُعُودَ عَنِ الْغَزْوِ.
وَزِيَادَةُ قَوْلِهِ: (مَعَ الْقاعِدِينَ) مَذَمَّةٌ لَهُمْ: لِأَنَّ الْقَاعِدِينَ هُمُ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الْقُعُودُ عَنِ الْغَزْوِ، وَهُمُ الضُّعَفَاءُ مِنْ صِبْيَانٍ وَنِسَاءٍ كالعمي والزمنى.