(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)
وَالْإِنْزَالُ جَعْلُ الشَّيْءِ نَازِلًا، وَالنُّزُولُ الِانْتِقَالُ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي انْتِقَالِ الذَّوَاتِ مِنْ عُلُوٍّ، وَيُطْلَقُ الْإِنْزَالُ وَمَادَّةُ اشْتِقَاقِهِ بِوَجْهِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ عَلَى مَعَانٍ رَاجِعَةٍ إِلَى تَشْبِيهِ عَمَلٍ بِالنُّزُولِ لِاعْتِبَارِ شَرَفٍ وَرِفْعَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً) [الْأَعْرَاف: 26] وَقَوْلِهِ: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) [الزمر: 6] لِأَنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَعَطَاءَهُ يُجْعَلُ كَوُصُولِ الشَّيْءِ مِنْ جِهَةٍ عُلْيَا لِشَرَفِهِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ عَلَى بُلُوغِ الْوَصْفِ مِنَ اللَّهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ فَهُوَ إِمَّا مَجَازٌ عَقْلِيٌّ بِإِسْنَادِ النُّزُولِ إِلَى الْوَحْيِ تَبَعًا لِنُزُولِ الْمَلَكِ مُبَلِّغِهِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهَذَا الْعَالَمِ نَازِلًا مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ قَالَ تَعَالَى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ) [الشُّعَرَاء: 194، 195] فَإِنَّ الْمَلَكَ مُلَابِسٌ لِلْكَلَامِ الْمَأْمُورِ بِتَبْلِيغِهِ، وَإِمَّا مَجَازٌ لُغَوِيٌّ بِتَشْبِيهِ الْمَعَانِي الَّتِي تُلْقَى إِلَى النَّبِيءِ بِشَيْءٍ وَصَلَ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ الِارْتِفَاعُ الْمَعْنَوِيُّ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْوَحْيُ كَلَامًا سَمِعَهُ الرَّسُولُ كَالْقُرْآنِ وَكَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُوسَى وَكَمَا وَصَفَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ أَحْوَالِ الْوَحْيِ
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِقَوْلِهِ: «وَأَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ»
وَأَمَّا رُؤْيَا النَّوْمِ كَرُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ فَلَا تُسَمَّى إِنْزَالًا.
وَالْمُرَادُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِقْدَارُ الَّذِي تَحَقَّقَ نُزُولُهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الْمُهْتَدِينَ إِنَّمَا يَكُونُ بِأَنَّهُمْ حَصَلَ مِنْهُمْ إِيمَانٌ بِمَا نَزَلَ لَا تَوَقُّعُ إِيمَانِهِمْ بِمَا سَيَنْزِلُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ لِلذِّكْرِ إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ يَسْتَمِرُّ إِيمَانُهُ بِكُلِّ مَا يَنْزِلُ عَلَى الرَّسُولِ لِأَنَّ الْعِنَادَ وَعَدَمَ الِاطْمِئْنَانِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَإِذَا زَالَا بِالْإِيمَانِ أَمِنُوا مِنَ الِارْتِدَادِ وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبُ.
فَالْإِيمَانُ بِمَا سَيَنْزِلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ حَاصِلٌ بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَهِيَ الدَّلَالَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ فَإِيمَانُهُمْ بِمَا سَيَنْزِلُ مُرَادٌ مِنَ الْكَلَامِ وَلَيْسَ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ الَّذِي هُوَ لِلْمَاضِي فَلَا حَاجَةَ إِلَى دَعْوَى تَغْلِيبِ الْمَاضِي عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (بِما أُنْزِلَ وَالْمُرَادُ مَا أُنْزِلَ وَمَا سَيَنْزِلُ كَمَا فِي «الْكَشَّافِ» .
وَعَدَّى الْإِنْزَالَ بِإِلَى لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى الْوَصْفِ فَالْمُنْزَلُ إِلَيْهِ غَايَةٌ لِلنُّزُولِ وَالْأَكْثَرُ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ يُعَدَّى بِحَرْفِ عَلَى لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى السُّقُوطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ) [آل عمرَان: 3] وَإِذَا أُرِيدَ أَنَّ الشَّيْءَ اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْمُنْزَلِ عَلَيْهِ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى) [الْبَقَرَة: 57] وَاخْتِيَارُ إِحْدَى التَّعْدِيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ فِي الْكَلَامِ.
ثُمَّ إِنَّ فَائِدَةَ الْإِتْيَانِ بِالْمَوْصُولِ هُنَا دُونَ أَنْ يُقَالَ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الدَّلَالَةُ بِالصِّلَةِ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا آمَنُوا بِمَا ثَبَتَ نُزُولُهُ مِنَ اللَّهِ عَلَى رُسُلِهِمْ دُونَ تَخْلِيطٍ بِتَحْرِيفَاتٍ صَدَّتْ قَوْمَهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ كَكَوْنِ التَّوْرَاةِ لَا تَقْبَلُ النَّسْخَ وَأَنَّهُ يَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ عَقِبِ إِسْرَائِيلَ مَنْ يُخَلِّصُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْأَسْرِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ أَوْ مِنْ فَاسِدِ التَّأْوِيلَاتِ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغُلَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ صَدَّهُمْ غُلُوُّهُمْ فِي دِينِهِمْ وَقَوْلُهُمْ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ عَنِ اتِّبَاعِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)
وَإِنَّمَا خُصَّ هَذَا الْوَصْفُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ بَقِيَّةِ أَوْصَافِهِمْ لِأَنَّهُ مِلَاكُ التَّقْوَى وَالْخَشْيَةِ الَّتِي جُعِلُوا مَوْصُوفِينَ بِهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى مَا أَجْمَلَهُ الْوَصْفُ بِالْمُتَّقِينَ فَإِنَّ الْيَقِينَ بِدَارِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَذَرَ وَالْفِكْرَةَ فِيمَا يُنْجِي النَّفْسَ مِنَ الْعِقَابِ وَيُنَعِّمُهَا بِالثَّوَابِ وَذَلِكَ الَّذِي سَاقَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِالنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ هَذَا الْإِيقَانَ بِالْآخِرَةِ مِنْ مَزَايَا أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْعَرَبِ فِي عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يُوقِنُونَ بِحَيَاةٍ ثَانِيَةٍ فَهُمْ دَهْرِيُّونَ، وَأَمَّا مَا يُحْكَى عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْبُطُونَ رَاحِلَةَ الْمَيِّتِ عِنْدَ قَبْرِهِ وَيَتْرُكُونَهَا لَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ حَتَّى الْمَوْتَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ إِذَا حَيِيَ يَرْكَبُهَا فَلَا يُحْشَرُ رَاجِلًا وَيُسَمُّونَهَا الْبَلِيَّةَ فَذَلِكَ تَخْلِيطٌ بَيْنَ مَزَاعِمِ الشِّرْكِ وَمَا يَتَلَقَّوْنَهُ عَنِ الْمُتَنَصِّرِينَ مِنْهُمْ بِدُونِ تَأَمُّلٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) تَقْدِيمٌ لِلْمَجْرُورِ الَّذِي هُوَ مَعْمُولُ يُوقِنُونَ عَلَى عَامِلِهِ، وَهُوَ تَقْدِيمٌ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ مَعَ رِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ، وَأَرَى أَنَّ فِي هَذَا التَّقْدِيمِ ثَنَاءً عَلَى هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُمْ أَيْقَنُوا بِأَهَمِّ مَا يُوقِنُ بِهِ الْمُؤْمِنُ فَلَيْسَ التَّقْدِيمُ بِمُفِيدٍ حَصْرًا إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ مَعْنَى الْحَصْرِ هُنَا بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُوقِنُونَ بِالْآخِرَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
وَقَوْلُهُ: (هُمْ يُوقِنُونَ) جِيءَ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ لِإِفَادَةِ تَقْوِيَةِ الْخَبَرِ إِذْ هُوَ إِيقَانٌ ثَابِتٌ عِنْدَهُمْ مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِجْمَالِ، وَإِنْ كَانَتِ التَّوْرَاةُ خَالِيَةً عَنْ تَفْصِيلِهِ وَالْإِنْجِيلُ أَشَارَ إِلَى حَيَاةِ الرُّوحِ، وَتَعَرَّضَ كِتَابَا حِزْقِيَالَ وَأَشْعِيَاءَ لِذِكْرِهِ وَفِي كِلَا التَّقْدِيمَيْنِ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ الدَّهْرِيِّينَ وَنِدَاءٌ عَلَى انْحِطَاطِ عَقِيدَتِهِمْ، وَأَمَّا الْمُتَّبِعُونَ لِلْحَنِيفِيَّةِ فِي ظَنِّهِمْ مِثْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِمْ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ أَوْ لِأَنَّهُمْ مُلْحَقُونَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ لِأَخْذِهِمْ عَنْهُمْ كَثِيرًا مِنْ شَرَائِعِهِمْ بِعِلَّةِ أَنَّهَا مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام.