(مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ(98)
وَقَوْلُهُ: (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ) إِلَخْ قَدْ ظَهَرَ حُسْنُ مَوْقِعِهِ بِمَا عَلِمْتُمُوهُ مِنْ وَجْهِ مَعْنَى (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) أَيْ لَمَّا كَانَتْ عَدَاوَتُهُمْ جِبْرِيلَ لِأَجْلِ عَدَاوَتِهِمُ الرَّسُولَ وَرَجَعَتْ بِالْآخِرَةِ إِلَى إلزامهم بعدواتهم اللَّهَ الْمُرْسِلَ، لِأَنَّ سَبَبَ الْعَدَاوَةِ هُوَ مَجِيئُهُ بِالرِّسَالَةِ تَسَنَّى أَنْ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ لِأَنَّهُ الْمُرْسِلُ، وَأَعْدَاءُ رُسُلِهِ لِأَنَّهُمْ عَادُوا الرَّسُولَ، وَأَعْدَاءُ الْمَلَائِكَةِ لِذَلِكَ، فَقَدْ صَارَتْ عَدَاوَتُهُمْ جِبْرِيلَ كَالْحَدِّ الْوَسَطِ فِي الْقِيَاسِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يلْتَفت للمقدمتين بالصغرى وَالْكُبْرَى فَعَدَاوَتُهُمُ اللَّهَ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَدِّمَةِ الْكُبْرَى لِأَنَّهَا الْعِلَّةُ فِي الْمَعْنَى عِنْدَ التَّأَمُّلِ.
وَعَدَاوَتُهُمُ الرَّسُولَ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَدِّمَةِ الصُّغْرَى لِأَنَّهَا السَّبَبُ الْجُزْئِيُّ الْمُثْبِتُ لَهُ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِذِكْرِ عَدَاوَةِ اللَّهِ تَعَالَى هُنَا حَتَّى يُجَابَ بِأَنَّ عَدَاوَةَ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ عَدَاوَةٌ لِلَّهِ عَلَى حَدٍّ (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النِّسَاء: 80] فَإِنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ.
وَقَدْ أثبت لَهُم عدواة الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ مَعَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا عَادُوا جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدًا لِأَنَّهُمْ لَمَّا عَادُوهُمَا عَادُوا جِبْرِيلَ لِأَجْلِ قِيَامِهِ بِمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ جِنْسِهِ الْمَلَكِيِّ وَهُوَ تَبْلِيغُ أَمْرِ اللَّهِ التَّكْلِيفِيِّ فَإِنَّ ذَلِكَ خَصِيصَتُهُمْ قَالَ تَعَالَى: (وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [الْأَنْبِيَاء: 27] كَانَتْ عَدَاوَتُهُمْ إِيَّاهُ لأجل ذَلِك آيلة إِلَى عَدَاوَةِ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ إِذْ تِلْكَ طَرِيقٌ لَيْسَ جِبْرِيلُ فِيهَا بِأَوْحَدَ وَكَذَلِكَ لَمَّا عَادُوا مُحَمَّدًا لِأَجْلِ مَجِيئِهِ بِالرِّسَالَةِ لِسَبَبٍ خَاصٍّ بِذَاتِهِ، كَانَتْ عداوتهم إِيَّاه آئلة إِلَى عَدَاوَةِ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ قِوَامُ جِنْسِ الرَّسُولِ فَمَنْ عَادَى وَاحِدًا كَانَ حَقِيقًا بِأَنْ يُعَادِيَهُمْ كُلَّهُمْ وَإِلَّا كَانَ فِعْلُهُ تَحَكُّمًا لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ.
وَخَصَّ جِبْرِيلَ بِالذِّكْرِ هُنَا لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِعِقَابِ مُعَادِيهِ وَلِيَذْكُرَ مَعَهُ مِيكَائِيلَ وَلَعَلَّهُمْ عَادَوْهُمَا مَعًا أَوْ لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ جِبْرِيلَ رَسُولُ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ وَأَنَّ مِيكَائِيلَ رَسُولُ الْخِصْبِ وَالسَّلَامِ وَقَالُوا: نَحْنُ نُحِبُّ مِيكَائِيلَ
فَلَمَّا أُرِيدُ إِنْذَارُهُمْ بِأَنَّ عَدَاوَتَهُمُ الْمَلَائِكَةَ تَجُرُّ إِلَيْهِمْ عَدَاوَةَ اللَّهِ وَأُعِيدَ ذِكْرُ جِبْرِيلَ لِلتَّنْوِيهِ بِهِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ مِيكَائِيلَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمُوا أَنَّ مَحَبَّتَهُمْ مِيكَائِيلَ تُكْسِبُ الْمُؤْمِنِينَ عَدَاوَتَهُ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ) جَوَابُ الشَّرْطِ.
وَالْعَدُوُّ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ مَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الِانْتِقَامِ وَالْهَلَاكِ وَأَنَّهُ لَا يُفْلِتُهُ كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي الْبَيْتَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ) [النُّور: 39] وَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ عَادَاهُ اللَّهُ.
وَلِهَذَا ذُكِرَ اسْمُ الْجَلَالَةِ بِلَفْظِهِ الظَّاهِرِ وَلَمْ يَقِلْ فَإِنِّي عَدُوٌّ أَوْ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِمَا يَشْعُرُ بِهِ الظَّاهِرُ هُنَا مِنَ الْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الْخَلِيفَةِ: «أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُ بِكَذَا» حَثًّا عَلَى الِامْتِثَالِ.
وَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِينَ جَمِيعُ الْكَافِرِينَ وَجِيءَ بِالْعَامِّ لِيَكُونَ دُخُولُهُمْ فِيهِ كَإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالدَّلِيلِ، وَلِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَادَاهُمْ لِكُفْرِهِمْ، وَأَنَّ تِلْكَ الْعَدَاوَةَ كُفْرٌ، وَلِتَكُونَ الْجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لما قبلهَا.