(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قالُوا لَا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(109)
وَأَصْلُ نَظْمِ الْكَلَامِ: يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ إِلَخْ.
فَغَيَّرَ نَظْمَ الْكَلَامِ إِلَى الْأُسْلُوبِ الَّذِي وَقَعَ فِي الْآيَةِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ، فَيَفْتَتِحُ بِهَذَا الظَّرْفِ الْمَهُولِ وَلِيُورِدَ الِاسْتِشْهَادَ فِي صُورَةِ الْمُقَاوَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَالرُّسُلِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلَامِ هُوَ مَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) [الْمَائِدَة: 116] وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ.
وَمِنَ الْبَعِيدِ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) [الْمَائِدَة: 108] لِأَنَّهُ لَا جَدْوَى فِي نَفْيِ الْهِدَايَةِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلِأَنَّ جَزَالَةَ الْكَلَامِ تُنَاسِبُ اسْتِئْنَافَهُ، وَلِأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ غَيْرُ وَاسِعِ الْمَعْنَى.
وَظَاهِرُ حَقِيقَةِ الْإِجَابَةِ أَنَّ الْمَعْنَى: مَاذَا أَجَابَكُمُ الْأَقْوَامُ الَّذِينَ أُرْسِلْتُمْ إِلَيْهِمْ، أَيْ مَاذَا تَلَقَّوْا بِهِ دَعَوَاتِكُمْ، حَمْلًا عَلَى مَا هُوَ بِمَعْنَاهُ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ) [النَّمْل: 56] .
وَيُحْمَلُ قَوْلُ الرُّسُلِ: (لَا عِلْمَ لَنا) عَلَى مَعْنَى لَا عِلْمَ لَنَا بِمَا يُضْمِرُونَ حِينَ أَجَابُوا فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا.
أَوْ هُوَ تَأَدُّبٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا أَجَابَتْ بِهِ الْأُمَمُ يُعلمهُ رسلهم فلابدّ مِنْ تَأْوِيلِ نَفْيِ الرُّسُلِ الْعِلْمَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَتَفْوِيضِهِمْ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْمَعْنَى.
فَأَجْمَعَ الرُّسُلُ فِي الْجَوَابِ عَلَى تَفْوِيضِ الْعِلْمِ إِلَى اللَّهِ، أَيْ أَنَّ عِلْمَكَ سُبْحَانَكَ أَعْلَى مِنْ كُلِّ عِلْمٍ وَشَهَادَتَكَ أَعْدَلُ مِنْ كُلِّ شَهَادَةٍ، فَكَانَ جَوَابَ الرُّسُلِ مُتَضَمِّنًا أُمُورًا: أَحَدُهَا: الشَّهَادَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ مِنْ أُمَمِهِمْ بِأَنَّ مَا عَامَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ هُوَ الْحَقُّ.
الثَّانِي: تَسْفِيهُ أُولَئِكَ الْكَافِرِينَ فِي إِنْكَارِهِمُ الَّذِي لَا يُجْدِيهِمْ.
الثَّالِث: تَذْكِيرُ أُمَمِهِمْ بِمَا عَامَلُوا بِهِ رُسُلَهُمْ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، تَعْمِيمًا لِلتَّذْكِيرِ بِكُلِّ مَا صَدَرَ مِنْ أُمَمِهِمْ مِنْ تَكْذِيبٍ وَأَذًى وَعِنَادٍ.
وَيُقَالُ لِمَنْ يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ لَا أَزِيدُكَ عِلْمًا بِذَلِكَ، أَوْ أَنْتَ تَعْرِفُ مَا جَرَى.
وَإِيرَادُ الضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ بَعْدَ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ لِزِيَادَةِ تَقْرِيرِ الْخَبَرِ وَتَأْكِيدِهِ.
وَعَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ تَأْوِيلُ قَوْلِ الرُّسُلِ (لَا عِلْمَ لَنا) بِأَنَّهُمْ نَفَوْا أَنْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ مَا كَانَ من آخر أَمر الْأُمَمِ بَعْدَ مَوْتِ رُسُلِهِمْ مِنْ دَوَامٍ عَلَى إِقَامَةِ الشَّرَائِعِ أَوِ التَّفْرِيطِ فِيهَا وَتَبْدِيلِهَا فَيَكُونُ قَوْلُ الرُّسُلِ لَا عِلْمَ لَنا مَحْمُولًا عَلَى حَقِيقَتِهِ وَيَكُونُ مَحْمَلُ مَاذَا عَلَى قَوْلِهِ: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) هُوَ مَا أجِيبُوا بِهِ مِنْ تَصْدِيقٍ وَتَكْذِيبٍ وَمِنْ دَوَامِ الْمُصَدِّقِينَ عَلَى تصديقهم أَو نقض ذَلِكَ، وَيُعَضِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ مَا جَاءَ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وَقَوْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) الْآيَةَ - فَإِنَّ الْمُحَاوَرَةَ مَعَ عِيسَى بَعْضٌ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ مَعَ بَقِيَّةِ الرُّسُلِ.
وَهُوَ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ.
وَعَبَّرَ فِي جَوَابِ الرُّسُلِ بِـ (قالُوا) الْمُفِيدُ لِلْمُضِيِّ مَعَ أَنَّ الْجَوَابَ لَمْ يَقَعْ، لِلدَّلَالَةِ على تَحْقِيق أنّه سَيَقَعَ حَتَّى صَارَ الْمُسْتَقْبَلُ مِنْ قُوَّةِ التَّحَقُّقِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاضِي فِي التَّحَقُّقِ.
عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي تُحْكَى بِهِ الْمُحَاوَرَاتُ لَا يُلْتَزَمُ فِيهِ مُرَاعَاةُ صِيغَتِهِ لِزَمَانِ وُقُوعِهِ لِأَنَّ زَمَانَ الْوُقُوعِ يَكُونُ قَدْ تَعَيَّنَ بِقَرِينَةِ سِيَاقِ الْمُحَاوَرَةِ.