فهرس الكتاب
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ(2)
وَتَوْجِيهُ الْخِطَابِ إِلَى الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ أَنَّهُمْ لَا يُظَنُّ بِهِمْ إِحْلَالُ الْمُحَرَّمَاتِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ النَّهْيُ عَنِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الشَّعَائِرِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي يَأْتِيهَا الْمُشْرِكُونَ كَمَا يَأْتِيهَا الْمُسْلِمُونَ.
وَمَعْنَى (لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ) لَا تُحِلُّوا الْمُحَرَّمِ مِنْهَا بَيْنَ النَّاسِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (لَا تُحِلُّوا) فَالتَّقْدِيرُ: لَا تُحِلُّوا مُحَرَّمَ شَعَائِرِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي إِحْلَالِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِعَمَلِ النَّسِيءِ (فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) [التَّوْبَة: 37] وَإِلَّا فَمِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ مَا هُوَ حَلَالٌ كَالْحَلْقِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ.
وَقَدْ كَانَتِ الشَّعَائِرُ كُلُّهَا مَعْرُوفَةً لَدَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ عَدِّهَا هُنَا.
وَهِيَ أَمْكِنَةٌ، وَأَزْمِنَةٌ، وَذَوَاتٌ فَالصَّفَا، وَالْمَرْوَةُ، وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ، مِنَ الْأَمْكِنَةِ.
وَوَجْهُ عَطْفِ الْقَلَائِدِ عَلَى الْهَدْيِ الْمُبَالَغَةُ فِي احْتِرَامِهِ بِحَيْثُ يَحْرُمُ الِاعْتِدَاءُ عَلَى قِلَادَتِهِ بَلَهِ ذَاتِهِ، وَهَذَا كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ.
عَلَى أَنَّ الْقَلَائِدَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ، إِذْ كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَتَّخِذُونَ مِنَ الْقَلَائِدِ نِعَالًا لِفُقَرَائِهِمْ، كَمَا كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِجِلَالِ الْبَدَنِ، وَهِيَ شُقَقٌ مِنْ ثِيَابٍ تُوضَعُ عَلَى كِفْلِ الْبَدَنَةِ فَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا قُمُصًا لَهُمْ وَأُزُرًا، فَلِذَلِكَ كَانَ النَّهْيُ عَنْ إِحْلَالِهَا كَالنَّهْيِ عَنْ إِحْلَالِ الْهَدْيِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْطِيلَ مَصَالِحِ سُكَّانِ الْحَرَمِ الَّذِينَ اسْتَجَابَ اللَّهُ فِيهِمْ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ) [إِبْرَاهِيم: 37] قَالَ تَعَالَى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ) [الْمَائِدَة: 97] .
وَقَوْلُهُ: (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ)
الْمُرَادُ قَاصِدُوهُ لِحَجِّهِ، لِأَنَّ الْبَيْتَ لَا يُقْصَدُ إِلَّا لِلْحَجِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ آمِّينَ الْبَيْتَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ آمِّينَ الْبَيْتَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُحَرَّمٌ أَذَاهُمْ فِي حَالَةِ قَصْدِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ.
وَوَجْهُ النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحَجِيجِ بِسُوءٍ وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ: أَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي قَصَدُوا فِيهَا الْحَجَّ وَتَلَبَّسُوا عِنْدَهَا بِالْإِحْرَامِ، حَالَةُ خَيْرٍ وَقُرْبٍ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَتَذَكُّرِ نِعَمِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُعَانُوا عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا لِأَنَّ الْخَيْرَ يَتَسَرَّبُ إِلَى النَّفْسِ رُوَيْدًا، كَمَا أَنَّ الشَّرَّ يَتَسَرَّبُ إِلَيْهَا كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ سَيَجِيءُ عَقِبَ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) .