(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)
التَّعْرِيفُ فِي الْعُقُودِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَشَمَلَ الْعُقُودَ الَّتِي عَاقَدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا رَبَّهُمْ وَهُوَ الِامْتِثَالُ لِشَرِيعَتِهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ) [الْمَائِدَة: 7] ، وَمِثْلِ مَا كَانَ يُبَايِعُ عَلَيْهِ الرَّسُولُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا، وَيَقُولُ لَهُمْ: فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
وَشَمَلَ الْعُقُودَ الَّتِي عَاقَدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا الْمُشْرِكِينَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) [التَّوْبَة: 2] ، وَقَوْلِهِ: (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) [الْمَائِدَة: 2] .
وَيَشْمَلُ الْعُقُودَ الَّتِي يَتَعَاقَدُهَا الْمُسْلِمُونَ بَيْنَهُمْ.
وَالْإِيفَاءُ هُوَ إِعْطَاءُ الشَّيْءِ وَافِيًا، أَيْ غَيْرِ مَنْقُوصٍ، وَلَمَّا كَانَ تَحَقُّقُ تَرْكِ النَّقْصِ لَا يَحْصُلُ فِي الْعُرْفِ إِلَّا بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْقَدْرِ الْوَاجِبِ، صَارَ الْإِيفَاءُ مُرَادًا مِنْهُ عُرْفًا الْعَدْلُ.
وَالْعُقُودُ جَمْعُ عَقْدٍ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ -، وَهُوَ الِالْتِزَامُ الْوَاقِعُ بَيْنَ جَانِبَيْنِ فِي فِعْلٍ مَا.
وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ الْعَقْدَ هُوَ ربط الْحَبل بالعروة وَنَحْوِهَا، وَشَدُّ الْحَبَلِ فِي نَفْسِهِ أَيْضًا عَقْدٌ.
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي الِالْتِزَامِ، فَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً.
وَأُطْلِقَ الْعَقْدُ أَيْضًا عَلَى الشَّيْءِ الْمَعْقُودِ إِطْلَاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ، فَالْعُهُودُ عُقُودٌ، وَالتَّحَالُفُ مِنَ الْعُقُودِ، وَالتَّبَايُعُ وَالْمُؤَاجَرَةُ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الْعُقُودِ، وَهِيَ الْمُرَادُ هُنَا.
(إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ)
وَقَدْ تَفَنَّنَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ) وَقَوْلِهِ: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) فَجِيءَ بِالْأَوَّلِ بِأَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَبِالثَّانِي بِالْحَالَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى مُغَايَرَةِ الْحَالَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، وَالْمَعْنَى: إِلَّا الصَّيْدَ فِي حَالَةِ كَوْنِكُمْ مُحْرِمِينَ، أَوْ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ.
وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِحُكْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ هُنَا لِمُنَاسَبَةِ كَوْنِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فِي حَالٍ خَاصٍّ، فَذُكِرَ هُنَا لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ عَارِضٌ غَيْرُ ذَاتِيٍّ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ مَوْضِعُ ذِكْرِهِ مَعَ الْمَمْنُوعَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُكْمِ الْحُرُمِ وَالْإِحْرَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ) [الْمَائِدَة: 2] الْآيَةَ.
(لطيفة)
ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَنَّ النَّقَّاشَ حَكَى: أَنَّ أَصْحَابَ الْكِنْدِيِّ قَالُوا لَهُ: «أَيُّهَا الْحَكِيمُ اعْمَلْ لَنَا مِثْلَ هَذَا الْقُرْآنِ، قَالَ: نَعَمْ أَعْمَلُ لَكُمْ مِثْلَ بَعْضِهِ، فَاحْتَجَبَ عَنْهُمْ أَيَّامًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُطِيقُ هَذَا أَحَدٌ، إِنِّي فَتَحْتُ الْمُصْحَفَ فَخَرَجَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ قَدْ أَمَرَ بِالْوَفَاءِ وَنَهَى عَنِ النَّكْثِ وَحَلَّلَ تَحْلِيلًا عَامًّا ثُمَّ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً بَعْدَ اسْتِثْنَاءٍ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ فِي سَطْرَيْنِ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذَا إِلَّا فِي أَجْلَادٍ» - جَمْعُ جِلْدٍ أَيْ أَسْفَارٍ -.