فهرس الكتاب

الصفحة 2335 من 4110

[سُورَة الْمَائِدَة(5): آيَة 95]

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ(95)

وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الصَّيْدَ فِي حَالَيْنِ: حَالُ كَوْنِ الصَّائِدِ مُحْرِمًا، وَحَالُ كَوْنِ الصَّيْدِ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَلَوْ كَانَ الصَّائِدُ حَلَالًا وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَظَّمَ شَأْنَ الْكَعْبَةِ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَتَّخِذَ لَهَا حَرَمًا كَمَا كَانَ الْمُلُوكُ يَتَّخِذُونَ الْحِمَى، فَكَانَتْ بَيْتُ اللَّهِ وَحِمَاهُ، وَهُوَ حَرَمُ الْبَيْتِ مُحْتَرَمًا بِأَقْصَى مَا يُعَدُّ حُرْمَةً وَتَعْظِيمًا فَلِذَلِكَ شَرَعَ اللَّهُ حَرَمًا لِلْبَيْتِ وَاسِعًا وَجَعَلَ اللَّهُ الْبَيْتَ أَمْنًا لِلنَّاسِ وَوَسَّعَ ذَلِكَ الْأَمْنَ حَتَّى شَمَلَ الْحَيَوَانَ الْعَائِشَ فِي حَرَمِهِ بِحَيْثُ لَا يَرَى النَّاسُ لِلْبَيْتِ إِلَّا أَمْنًا لِلْعَائِذِ بِهِ وَبِحَرَمِهِ.

قَالَ النَّابِغَةُ:

وَالْمُؤْمِنِ الْعَائِذَاتِ الطَّيْرَ يَمْسَحُهَا ... رُكْبَانُ مَكَّةَ بَيْنَ الْغِيلِ فَالسَّنَدِ

فَالتَّحْرِيمُ لِصَيْدِ حَيَوَانِ الْبَرِّ، وَلَمْ يُحَرِّمْ صَيْدَ الْبَحْرِ إِذْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ مِسَاحَةِ الْحَرَمِ بَحْرٌ وَلَا نَهْرٌ.

ثُمَّ حَرَّمَ الصَّيْدَ عَلَى الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، لِأَنَّ الصَّيْدَ إِثَارَةٌ لِبَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ الْآمِنَةِ.

وَقَدْ كَانَ الْإِحْرَامُ يَمْنَعُ الْمُحْرِمِينَ الْقِتَالَ وَمُنِعُوا التَّقَاتُلَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِأَنَّهَا زَمَنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَأُلْحِقَ مِثْلُ الْحَيَوَانِ فِي الْحُرْمَةِ بِقَتْلِ الْإِنْسَانِ، أَوْ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَنْوِي الْإِحْرَامَ إِلَّا عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَى الْحَرَمِ، فَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَصِيدُ إِلَّا حَيَوَانَ الْحَرَمِ.

وَالصَّيْدُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُصَادَ وَيُقْتَلَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ لِأَكْلِهِ أَوِ الِانْتِفَاعِ بِبَعْضِهِ.

وَيُلْحَقُ بِالصَّيْدِ الْوُحُوشُ كُلُّهَا.

قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: وَالْوُحُوشُ تُسَمَّى صَيْدًا وَإِنْ لَمْ تُصَدْ بَعْدُ، كَمَا يُقَالُ: بِئْسَ الرَّمِيَّةُ الْأَرْنَبُ، وَإِنْ لَمْ تُرْمَ بَعْدُ.

وَخُصَّ مِنْ عُمُومِهِ مَا هُوَ مُضِرٌّ، وَهِيَ السِّبَاعُ الْمُؤْذِيَةُ وَذَوَاتُ السُّمُومِ وَالْفَأْرُ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ.

وَدَلِيلُ التَّخْصِيصِ السُّنَّةُ.

وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ)

وَفَائِدَةُ إِيرَادِ قَوْلِهِ (مِنْكُمْ) أَعْرَضَ عَنْ بَيَانِهَا الْمُفَسِّرُونَ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ إِيرَادِ هَذَا الْوَصْفِ التَّنْبِيهُ عَلَى إِبْطَالِ فِعْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ أَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ مِنْهُمْ كَانُوا يَضْرِبُونَهُ وَيَسْلُبُونَهُ ثِيَابَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.

وَتَعْلِيقُ حُكْمِ الْجَزَاءِ عَلَى وُقُوعِ الْقَتْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَجِبُ إِلَّا إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ، فَأَمَّا لَوْ جَرَحَهُ أَوْ قَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا وَلَمْ يَقْتُلْهُ فَلَيْسَ فِيهِ جَزَاءٌ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ سَوَاءٌ أَكَلَ الْقَاتِلُ الصَّيْدَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْهُ لِأَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ هُوَ الْقَتْلُ.

وَقَوله (مُتَعَمِّدًا) قيد أَخْرَجَ الْمُخْطِئَ، أَيْ فِي صَيْدِهِ.

وَلَمْ تُبَيِّنْ لَهُ الْآيَةُ حُكْمًا لَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ لَا يَكُونُ أَشَدَّ مِنَ الْمُتَعَمِّدِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جَزَاءٌ آخَرُ أَخَفُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَقَدْ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ.

قَالَ الزُّهْرِيِّ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالْعَمْدِ وَجَرَتِ السُّنَّةُ فِي النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ أَنَّهُمَا يُكَفِّرَانِ.

وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الْعَمَلَ مِنْ عَهْدِ النُّبُوءَةِ وَالْخُلَفَاءِ وَمَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ.

وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ عَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: إِنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَقَدْ غَلَّبَ مَالِكٌ فِيهِ مَعْنَى الْغُرْمِ، أَيْ قَاسَهُ عَلَى الْغُرْمِ.

وَالْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِي الْغُرْمِ سَوَاءٌ فَلِذَلِكَ سَوَّى بَيْنَهُمَا.

وَمَضَى بِذَلِكَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ.

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ من الْمَالِكِيَّة، وداوود الظَّاهِرِيُّ، وَابْن جُبَير وطاووس، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ: لَا شَيْءَ عَلَى النَّاسِي.

وَالْجَزَاءُ الْعِوَضُ عَنْ عَمَلٍ، فَسَمَّى اللَّهُ ذَلِكَ جَزَاءً، لِأَنَّهُ تَأْدِيبٌ وَعُقُوبَةٌ إِلَّا أَنَّهُ شُرِعَ عَلَى صِفَةِ الْكَفَّارَاتِ مِثْلَ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ.

وَلَيْسَ الْقَصْدُ مِنْهُ الْغُرْمَ إِذْ لَيْسَ الصَّيْدُ بِمُنْتَفَعٍ بِهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَغْرَمَ قَاتِلُهُ لِيَجْبُرَ مَا أَفَاتَهُ عَلَيْهِ.

وَإِنَّمَا الصَّيْدُ مِلْكُ اللَّهِ تَعَالَى أَبَاحَهُ فِي الْحِلِّ وَلَمْ يُبِحْهُ لِلنَّاسِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، فَمَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْمُتَعَدِّي جَزَاءً.

وَجَعَلَهُ جَزَاءً يَنْتَفِعُ بِهِ ضِعَافُ عَبِيدِهِ.

وَقَدْ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ مَقْصِدَ التَّشْرِيعِ فِي ذَلِكَ هُوَ الْعُقُوبَةُ قَوْلُهُ عَقِبَهُ (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) .

وَإِنَّمَا سُمِّيَ جَزَاءً وَلَمْ يُسَمَّ بِكَفَّارَةٍ لِأَنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ، فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِمِثْلِ الْعَمَلِ فَسُمِّيَ جَزَاءً، وَالْجَزَاءُ مَأْخُوذٌ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُوَافَقَةُ قَالَ تَعَالَى: (جَزاءً وِفاقًا) [النبأ: 26] .

وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْجَزَاءَ مِثْلُ مَا قَتَلَ الصَّائِدُ، وَذَلِكَ الْمِثْلُ مِنَ النَّعَمِ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّيْدَ إِمَّا مِنَ الدَّوَابِّ وَإِمَّا مِنَ الطَّيْرِ، وَأَكْثَرُ صَيْدِ الْعَرَبِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَهِيَ الْحُمُرُ الْوَحْشِيَّةُ وَبَقَرُ الْوَحْشِ وَالْأَرْوَى وَالظِّبَاءُ وَمِنْ ذَوَاتِ الْجَنَاحِ النَّعَامُ وَالْأَوِزُّ، وَأَمَّا الطَّيْرُ الَّذِي يَطِيرُ فِي الْجَوِّ فَنَادِرٌ صَيْدُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُصَادُ إِلَّا بِالْمِعْرَاضِ، وَقَلَّمَا أَصَابَهُ الْمِعْرَاضُ سِوَى الْحَمَامِ الَّذِي بِمَكَّةَ وَمَا يَقْرُبُ مِنْهَا، فَمُمَاثَلَةُ الدَّوَابِّ لِلْأَنْعَامِ هَيِّنَةٌ.

وَأَمَّا مُمَاثَلَةُ الطَّيْرِ لِلْأَنْعَامِ فَهِيَ مُقَارَبَةٌ وَلَيْسَتْ مُمَاثَلَةً فَالنَّعَامَةُ تُقَارِبُ الْبَقَرَةَ أَوِ الْبَدَنَةَ، وَالْأَوِزُّ يُقَارِبُ السَّخْلَةَ، وَهَكَذَا.

وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ كَالْعُصْفُورِ فِيهِ الْقِيمَةُ.

وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: الْمِثْلُ الْقِيمَةُ فِي جَمِيعِ مَا يُصَابُ مِنَ الصَّيْدِ.

وَالْقِيمَةُ عِنْدَ مَالِكٍ طَعَامٌ.

وَقَالَ أَبُو حنيفَة: دَارهم.

فَإِذَا كَانَ الْمَصِيرُ إِلَى الْقِيمَةِ فَالْقِيمَةُ عِنْدَ مَالِكٍ طَعَامٌ يُتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا، وَلِكَسْرِ الْمُدِّ يَوْمًا كَامِلًا.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَشْتَرِي بِالْقِيمَةِ هَدْيًا إِنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى طَعَامًا، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْجَزَاءَ هَلْ يَكُونُ أقلّ ممّا يجزئ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا.

وَوَصَفَ (ذَوا عَدْلٍ) بِقَوْلِهِ: (مِنْكُمْ) أَيْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِلتَّحْذِيرِ مِنْ مُتَابَعَةِ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عَمَلٍ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَعَلَّهُمْ يَدَّعُونَ مَعْرِفَةً خَاصَّةً بِالْجَزَاءِ.

وَالْهَدْيُ مَا يُذْبَحُ أَوْ يُنْحَرُ فِي مَنْحَرِ مَكَّةَ.

وَالْمَنْحَرُ: مِنًى وَالْمَرْوَةُ.

وَلَمَّا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى هَدْيًا فَلَهُ سَائِرُ أَحْكَامِ الْهَدْيِ الْمَعْرُوفَةِ.

وَمَعْنَى (بالِغَ الْكَعْبَةِ) أَنَّهُ يُذْبَحُ أَوْ يُنْحَرُ فِي حَرَمِ الْكَعْبَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُنْحَرُ أَوْ يُذْبَحُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ.

وَقَوْلُهُ: (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ) عطف على (فَجَزاءٌ) وَسَمَّى الْإِطْعَامَ كَفَّارَةً لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَزَاءٍ، إِذِ الْجَزَاءُ هُوَ الْعِوَضُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ.

وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَلَا يُمَاثِلُ الصَّيْدَ وَإِنَّمَا هُوَ كَفَّارَةٌ تُكَفَّرُ بِهِ الْجَرِيمَةُ.

وَقَدْ أَجْمَلَ الْكَفَّارَةَ فَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ الطَّعَامِ وَلَا عَدَدَ الْمَسَاكِينِ.

فَأَمَّا مِقْدَارُ الطَّعَامِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَى الْحُكْمَيْنِ، وَقَدْ شَاعَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّ الْمُدَّ مِنَ الطَّعَامِ هُوَ طَعَامُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ مَالِكٌ بِمُدٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.

وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تَقْدِيرُ الْإِطْعَامِ أَنْ يُقَوَّمَ الْجَزَاءُ مِنَ النَّعَمِ بِقِيمَتِهِ دَرَاهِمَ ثُمَّ تُقَوَّمَ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا.

وَأَمَّا عَدَدُ الْمَسَاكِينَ فَهُوَ مُلَازِمٌ لِعَدَدِ الْأَمْدَادِ.

و (أَوْ) فِي قَوْلِهِ (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ) وَقَوْلُهُ: (أَوْ عَدْلُ ذلِكَ) تَقْتَضِي تَخْيِيرُ قَاتِلِ الصَّيْدِ فِي أَحَدِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ.

وَكَذَلِكَ كُلُّ أَمْرٍ وَقْعَ بِـ «أَوْ» فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ مِنَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ.

وَالْقَوْلُ بِالتَّخْيِيرِ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، ثُمَّ قِيلَ: الْخِيَارُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لَا لِلْحَكَمَيْنِ.

وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالتَّخْيِيرِ، وَقِيلَ: الْخِيَارُ لِلْحَكَمَيْنِ.

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُنْتَقَلُ مِنَ الْجَزَاءِ إِلَى كَفَّارَةِ الطَّعَامِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْجَزَاءِ، وَلَا يُنْتَقَلُ عَنِ الْكَفَّارَةِ إِلَى الصَّوْمِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْإِطْعَامِ، فَهِيَ عِنْدَهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ.

وَالْعَدْلُ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - مَا عَادَلَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.

وَأَصْلُ مَعْنَى الْعَدْلِ الْمُسَاوَاةُ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يُدْرَكُ بِالْبَصِيرَةِ كَمَا هُنَا.

وَأَمَّا الْعِدْلُ - بِكَسْرِ الْعَيْنِ - فَفِي الْمَحْسُوسَاتِ كَالْمَوْزُونَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ، وَقِيلَ: هُمَا مُتَرَادِفَانِ.

وَقَوْلُهُ (لِيَذُوقَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (فَجَزاءٌ) وَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ جُعِلَ ذَلِكَ جَزَاءً عَنْ قَتْلِهِ الصَّيْدَ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ.

وَالذَّوْقُ مُسْتَعَارٌ لِلْإِحْسَاسِ بِالْكَدَرِ.

شَبَّهَ ذَلِكَ الْإِحْسَاسَ بِذَوْقِ الطَّعْمِ الْكَرِيهِ كَأَنَّهُمْ رَاعَوْا فِيهِ سُرْعَةَ اتِّصَالِ أَلَمِهِ بِالْإِدْرَاكِ، وَلِذَلِكَ لَمْ نَجْعَلْهُ مَجَازًا مُرْسَلًا بِعَلَاقَةِ الْإِطْلَاقِ إِذْ لَا دَاعِيَ لِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْعَلَاقَةِ، فَإِنَّ الْكَدَرَ أَظْهَرُ مِنْ مُطْلَقِ الْإِدْرَاكِ.

وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مُعْتَنَى بِهِ فِي كَلَامِهِمْ، لِذَلِكَ اشْتُهِرَ إِطْلَاقُ الذَّوْقِ عَلَى إِدْرَاكِ الْآلَامِ وَاللَّذَّاتِ.

فَفِي الْقُرْآنِ (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدُّخان: 49] ، (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ) [الدُّخان: 56] .

وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ مُخَاطِبًا جُثَّةَ حَمْزَةَ «ذُقْ عُقَقَ» .

وَشُهْرَةُ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ قَارَبَتِ الْحَقِيقَةَ، فَحَسُنَ أَنْ تُبْنَى عَلَيْهَا اسْتِعَارَةٌ أُخْرَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) [النَّحْل: 112] .

وَالْوَبَالُ السُّوءُ وَمَا يُكْرَهُ إِذَا اشْتَدَّ، وَالْوَبِيلُ الْقَوِيُّ فِي السُّوءِ (فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا) [المزمل: 16] .

وَطَعَامٌ وَبِيلٌ: سَيِّئُ الْهَضْمِ، وَكَلَأٌ وبيل ومستوبل، تستولبه الْإِبِلُ، أَيْ تَسْتَوْخِمُهُ.

وَالْمَعْنَى لِيَجِدْ سُوءَ عَاقِبَةِ فِعْلِهِ بِمَا كَلَّفَهُ مِنْ خَسَارَةٍ أَوْ مِنْ تَعَبٍ.

وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) مَعَ أَنَّ شَأْنَ جَوَابِ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ فِعْلًا أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِ الْفَاءُ الرَّابِطَةُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنِ الرَّبْطِ بِمُجَرَّدِ الِاتِّصَالِ الْفِعْلِيِّ، فَدُخُولُ

الْفَاءِ يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ بِهِ إِلَى كَوْنِ جُمْلَةِ الْجَوَابِ اسْمِيَّةً تَقْدِيرًا فَيَرْمِزُونَ بِالْفَاءِ إِلَى مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ جُعِلَ الْفِعْلُ خَبَرًا عَنْهُ لِقَصْدِ الدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَوِ التَّقَوِّي، فَالتَّقْدِيرُ: فَهُوَ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، لِقَصْدِ الِاخْتِصَاصِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي شِدَّةِ مَا يَنَالُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يَنَالُ غَيْرَهُ، أَوْ لِقَصْدِ التَّقَوِّي، أَيْ تَأْكِيدِ حُصُولِ هَذَا الِانْتِقَامِ.

وَنَظِيرُهُ (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقًا) [الْجِنّ: 13] فَقَدْ أَغْنَتِ الْفَاءُ عَنِ إِظْهَارِ الْمُبْتَدَأِ فَحَصَلَ التَّقَوِّي مَعَ إِيجَازٍ.

هَذَا قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مَعَ تَوْجِيهِهِ، وَمِنَ النُّحَاةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ دُخُولَ الْفَاءِ وَعَدَمَهُ فِي مِثْلِ هَذَا سَوَاءٌ، وَإِنَّهُ جَاءَ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت