(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(33)
بَيَانٌ لِجُمْلَةِ (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) بِأَنَّهُ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِهَذَا الدِّينِ، فَلَا يُرِيدُ إِزَالَتَهُ، وَلَا يَجْعَلُ تَقْدِيرَهُ بَاطِلًا وَعَبَثًا.
وَفِي هَذَا الْبَيَانِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الرَّسُولِ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الدِّينِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) صِيغَةُ قَصْرٍ، أَيْ هُوَ لَا غَيْرُهُ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِهَذَا النُّورِ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ مُعَانِدِيهِ يُطْفِئُونَهُ.
وَاجْتِلَابُ اسْمُ الْمَوْصُولِ: لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ عِلَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَهِيَ جُمْلَةٌ: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) .
وَعَبَّرَ عَنِ الْإِسْلَامِ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ تَنْوِيهًا بِفَضْلِهِ، وَتَعْرِيضًا بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى وَلَا حَقٍّ.
وَفِعْلُ الْإِظْهَارِ إِذَا عُدِّيَ بِـ (عَلَى) كَانَ مُضَمَّنًا مَعْنَى النَّصْرِ، أَوِ التَّفْضِيلِ، أَيْ لِيَنْصُرَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، أَيْ لِيَكُونَ أَشْرَفَ الْأَدْيَانِ وَأَغْلَبَهَا، وَمِنْهُ الْمُظَاهَرَةُ أَيِ الْمُنَاصَرَةُ.
فَالْإِسْلَامُ كَانَ أَشْرَفَ الْأَدْيَانِ: لِأَنَّ مُعْجِزَةَ صِدْقِهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ مُعْجِزَةٌ تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَيَسْتَوِي فِي إِدْرَاكِ إِعْجَازِهَا جَمِيعُ الْعُصُورِ، وَلِخُلُوِّ هَذَا الدِّينِ عَنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْفِعْلِ، فَهُوَ خَلِيٌّ عَنْ إِثْبَاتِ مَا لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَخَلِيٌّ عَنْ وَضْعِ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، وَخَلِيٌّ عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ اسْتِقَامَةِ نِظَامِ الْعَالَمِ.
وَظُهُورُ الْإِسْلَامِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ حَصَلَ فِي الْعَالَمِ بِاتِّبَاعِ أَهْلِ الْمِلَلِ إِيَّاهُ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ، بِالرَّغْمِ عَلَى كَرَاهِيَةِ أَقْوَامِهِمْ وَعُظَمَاءِ مِلَلِهِمْ ذَلِكَ، وَمُقَاوَمَتِهِمْ إِيَّاهُ بِكُلِّ حِيلَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ وَعَلَا وَبَانَ فَضْلُهُ عَلَى الْأَدْيَانِ الَّتِي جَاوَرَهَا وَسَلَامَتُهُ مِنَ الْخُرَافَاتِ وَالْأَوْهَامِ الَّتِي تَعَلَّقُوا بِهَا، وَمَا صَلُحَتْ بَعْضُ أُمُورِهِمْ إِلَّا فِيمَا حَاكَوْهُ مِنْ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَسْبَابِ نُهُوضِهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِظْهَارِهِ عَلَى الْأَدْيَانِ أَنْ تَنْقَرِضَ تِلْكَ الْأَدْيَانُ.
وَذُكِرَ الْمُشْرِكُونَ هُنَا لِأَنَّ ظُهُورَ دِينِ الْإِسْلَامِ أَشَدُّ حَسْرَةٍ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، لأنّهم الَّذين ابتدأوا بِمُعَارَضَتِهِ وَعَدَاوَتِهِ وَدَعَوُا الْأُمَمَ لِلتَّأَلُّبِ عَلَيْهِ وَاسْتَنْصَرُوا بِهِمْ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُمْ شَيْئًا، وَلِأَنَّ أَتَمَّ مَظَاهِرِ انْتِصَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَهِيَ دِيَارُ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ غَلَبَ عَلَيْهَا، وَزَالَتْ مِنْهَا جَمِيعُ الْأَدْيَانِ الْأُخْرَى، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يَبْقَى دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»
فَلِذَلِكَ كَانَتْ كَرَاهِيَةُ الْمُشْرِكِينَ ظُهُورَهُ مَحِلَّ الْمُبَالِغَةِ فِي أَحْوَالِ إِظْهَارِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ.