(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(74)
وَمَفْعُولُ (مَا قَالُوا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) .
وَأَكَّدَ صُدُورَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ، فِي مُقَابَلَةِ تَأْكِيدِهِمْ نَفْيَ صُدُورِهَا، بِصِيغَةِ الْقَسَمِ لِيَكُونَ تَكْذِيبُ قَوْلِهِمْ مُسَاوِيًا لِقَوْلِهِمْ فِي التَّأْكِيدِ.
وَكَلِمَةُ الْكُفْرِ جِنْسٌ لِكُلِّ كَلَامٍ فِيهِ تَكْذِيبُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا أُطْلِقَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
فَالْكَلِمَاتُ الصَّادِرَةُ عَنْهُمْ عَلَى اخْتِلَافِهَا، مَا هِيَ إِلَّا أَفْرَادٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ إِسْنَادُ الْقَوْلِ إِلَى ضَمِيرِ جَمَاعَةِ الْمُنَافِقِينَ.
وَمَعْنَى (بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) بَعْدَ أَنْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ فِي الصُّورَةِ، وَلِذَلِكَ أُضِيفَ الْإِسْلَامُ إِلَيْهِمْ.
والهمّ: نِيَّةُ الْفِعْلِ سَوَاءً فُعِلَ أَمْ لَمْ يُفْعَلْ.
وَنَوَالُ الشَّيْءِ حُصُولُهُ، أَيْ هَمُّوا بِشَيْءٍ لَمْ يُحَصِّلُوهُ وَالَّذِي هَمُّوا بِهِ هُوَ الْفَتْكُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ تَبُوكَ تَوَاثَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَتَرَصَّدُوا لَهُ فِي عَقَبَةٍ بِالطَّرِيقِ تَحْتَهَا وَادٍ فَإِذَا اعْتَلَاهَا لَيْلًا يَدْفَعُونَهُ عَنْ رَاحِلَتِهِ إِلَى الْوَادِي وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِرًا وَقَدْ أَخَذَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ يَقُودُهَا.
وَكَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ يَسُوقُهَا فَأَحَسَّ حُذَيْفَةُ بِهِمْ فَصَاحَ بِهِمْ فَهَرَبُوا.
وَالنَّقْمُ الِامْتِعَاضُ مِنَ الشَّيْءِ وَاسْتِنْكَارُهُ.
وَقَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) اسْتِثْنَاءٌ تَهَكُّمِيٌّ.
وَهُوَ مِنْ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وَنُكْتَتُهُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَظْهَرُ كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ يَنْقُضُ حُكْمَهُ الْخَبَرِيَّ وَنَحْوَهُ فَيَذْكُرُ شَيْئًا هُوَ مِنْ مُؤَكِّدَاتِ الْحُكْمِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ اسْتَقْصَى فَلَمْ يَجِدْ مَا يُنْقِضُهُ.
وَإِنَّمَا أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِمَا جَلَبَهُ حُلُولُ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْنَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ بِكَثْرَةِ عَمَلِ الْمُهَاجِرِينَ وَبِوَفْرَةِ الْغَنَائِمِ فِي الْغَزَوَاتِ وَبِالْأَمْنِ الَّذِي أَدْخَلَهُ الْإِسْلَامُ فِيهِمْ إِذْ جَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةً فَانْتَفَتِ الضَّغَائِنُ بَيْنَهُمْ وَالثَّارَاتُ، وَقَدْ كَانَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَعْدَاءً وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ تَفَانَوْا فِيهَا قُبَيْلَ الْهِجْرَةِ وَهِيَ حُرُوبُ بُعَاثٍ.
وَالْفضل: الزِّيَادَةُ فِي الْبَذْلِ وَالسَّخَاءِ.
وَفِي جَعْلِ الْإِغْنَاءِ مِنَ الْفَضْلِ كِنَايَةٌ عَنْ وَفْرَةِ الشَّيْءِ الْمُغْنَى بِهِ لِأَنَّ ذَا الْفَضْلِ يُعْطِي الْجَزْلَ.
وَعُطِفَ الرَّسُولُ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي فِعْلِ الْإِغْنَاءِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ الْمُبَاشِرُ.
(فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ)
وَالضَّمِيرُ فِي (يَكُ) عَائِدٌ إِلَى مَصْدَرِ (يَتُوبُوا) وَهُوَ التَّوْبُ.
وَالتَّوَلِّي: الْإِعْرَاضُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِعْرَاضُ عَنِ التَّوْبَةِ.
وَالْعَذَابُ فِي الدُّنْيَا عَذَابُ الْجِهَادِ وَالْأَسْرِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ.
وَجِيءَ بِفِعْلِ (يَكُ) فِي جَوَابِ الشَّرْطِ دُونَ أَنْ يُقَالَ فَإِنْ يَتُوبُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُمْ لِتَأْكِيدِ وُقُوعِ الْخَيْرِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، وَالْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْخَيْرُ إِلَّا عِنْدَ التَّوْبَةِ لِأَنَّ فِعْلَ التَّكْوِينِ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ.
وَحَذْفُ نُونِ «يَكُنْ» لِلتَّخْفِيفِ لِأَنَّهَا لِسُكُونِهَا تَهَيَّأَتْ لِلْحَذْفِ وَحَسَّنَهُ وُقُوعُ حَرَكَةٍ بَعْدَهَا وَالْحَرَكَةُ ثَقِيلَةٌ فَلِذَلِكَ شَاعَ حَذْفُ هَذِهِ النُّونِ فِي كَلَامِهِمْ كَقَوْلِهِ: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها) فِي (سُورَةِ النِّسَاءِ) [40] .
(وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)
وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ إِنْ تَوَلَّوْا لَمْ يَجِدُوا مَنْ يَنْصُرُهُمْ مِنَ الْقَبَائِلِ إِذْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا مَنْ لَا يَعْبَأُ بِهِمْ عَدَدًا وَعُدَدًا، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْوَلِيِّ النَّافِعِ كَمَا هُوَ مَفْهُومُ الْوَلِيِّ وَأَمَّا مَنْ لَا يَنْفَعُ فَهُوَ حَبِيبٌ وَوَدُودٌ وَلَيْسَ بالولي.