(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(91)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ) جِيءَ بِالْمُضَارِعِ مُحَاكَاةً لِقَوْلِهِمْ (نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا) وتصريح بِمَا لوحوا إِلَيْهِ ورد عَلَيْهِمْ أَيْ يَدُومُونَ عَلَى الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ وَيَكْفُرُونَ كَذَلِكَ بِمَا وَرَاءَهُ فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ مُقْتَضٍ لِلْكُفْرِ بِغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمُضَارِعِ تَأْثِيرًا فِي مَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالْغَرَابَةِ.
وَفِي قَرْنِهِ بِوَاوِ الْحَالِ إِشْعَارٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَزَادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ) .
وَقَوْلُهُ: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِ أَحْوَالِهِمْ قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ فِي مَعْذِرَتِهِمْ هَذِهِ لِإِظْهَارِ أَن معاداة الْأَنْبِيَاء دَأْبٌ لَهُمْ وَأَنَّ قَوْلَهُمْ: (نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا) كَذِبٌ إِذْ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمَا قتل أسلافهم الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ هُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَدَعَوْهُمْ إِلَى تَأْيِيدِ التَّوْرَاةِ وَالْأَمْرِ بِالْعَمَلِ بِهَا وَلَكِنَّهُمْ يُعْرِضُونَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ.
وَهَذَا إِلْزَامٌ لِلْحَاضِرِينَ بِمَا فَعَلَهُ أَسْلَافُهُمْ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُمْ عَلَى حَقٍّ فِيمَا فَعَلُوا من قتل الْأَنْبِيَاء.
وَالْإِتْيَانُ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: (تَقْتُلُونَ) مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ قَدْ مَضَى لِقَصْدِ اسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ الْفَظِيعَةِ وَقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (مِنْ قَبْلُ) فَذَلِكَ كَمَا جَاءَ الْحُطَيْئَةُ بِالْمَاضِي مُرَادًا بِهِ الِاسْتِقْبَالُ فِي قَوْلِهِ:
شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ ... أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ
بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ يَوْمَ يَلْقَى ربه.