(لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)
وَقَوْلُهُ: (بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) لِأَنَّ الْجِهَادَ يَقْتَضِي الْأَمْرَيْنِ: بَذْلَ النَّفْسِ وَبَذْلَ الْمَالِ، إِلَّا أَنَّ الْجِهَادَ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ بَذْلُ النَّفْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَو لم ينفق شَيْئًا، بَلْ وَلَوْ كَانَ كَلًّا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا أَنَّ مَنْ بَذَلَ الْمَالَ لِإِعَانَةِ الْغُزَاةِ، وَلَمْ يُجَاهِدْ بِنَفْسِهِ، لَا يُسَمَّى مُجَاهِدًا وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ وَكَانَ يَتَمَنَّى زَوَالَ عُذْرِهِ وَاللَّحَاقَ بِالْمُجَاهِدِينَ، لَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّ فَضْلَ الْجِهَادِ بِالْفِعْلِ لَا يُسَاوِيهِ فَضْلُ الْآخَرِينَ.
وَجُمْلَةُ: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ) بَيَانٌ لِجُمْلَةِ: (لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
وَحَقِيقَةُ الدَّرَجَةِ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ مَكَانٍ يَكُونُ أَعْلَى مِنْ جُزْءٍ آخَرَ مُتَّصِلٍ بِهِ، بِحَيْثُ تَتَخَطَّى الْقَدَمُ إِلَيْهِ بِارْتِقَاءٍ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ بِصُعُودٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ دَرَجَةِ الْعُلَيَّةِ وَدَرَجَةِ السُّلَّمِ.
وَالدَّرَجَةُ هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِلْعُلُوِّ الْمَعْنَوِيِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [الْبَقَرَة: 228] وَالْعُلُوُّ الْمُرَادُ هُنَا عُلُوُّ الْفَضْلِ وَوَفْرَةِ الْأَجْرِ.
وَجِيءَ بِـ (دَرَجَةً) بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، وَلَيْسَ إِفْرَادُهَا لِلْوَحْدَةِ، لِأَنَّ دَرَجَةً هُنَا جِنْسٌ مَعْنَوِيٌّ لَا أَفْرَادَ لَهُ، وَلِذَلِكَ أُعِيدَ التَّعْبِيرُ عَنْهَا فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي جَاءَتْ بَعْدَهَا تَأْكِيدًا لَهَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (دَرَجاتٍ مِنْهُ) لِأَنَّ الْجَمْعَ أَقْوَى مِنَ الْمُفْرَدِ.
وَتَنْوِينُ دَرَجَةً لِلتَّعْظِيمِ.
وَهُوَ يُسَاوِي مَفَادَ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ الْآتِي (دَرَجاتٍ مِنْهُ) .
وَانْتَصَبَ (دَرَجَةً) بِالنِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ فِي فِعْلِ فَضَّلَ إِذِ الدَّرَجَةُ هُنَا زِيَادَةٌ فِي مَعْنَى الْفَضْلِ، فَالتَّقْدِيرُ: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ فَضْلًا هُوَ دَرَجَةٌ، أَيْ دَرَجَةً فَضْلًا.
وَانْتَصَبَ (دَرَجَاتٍ) عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ (أَجْرًا عَظِيمًا) أَوْ عَلَى الْحَالِ بِاعْتِبَارِ وَصْفِ دَرَجَاتٍ بِأَنَّهَا مِنْهُ أَيْ مِنَ اللَّهِ.
وَجُمِعَ (دَرَجاتٍ) لِإِفَادَةِ تَعْظِيمِ الدَّرَجَةِ لِأَنَّ الْجَمْعَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْكَثْرَةِ تُسْتَعَارُ صِيغَتُهُ لِمَعْنَى الْقُوَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَلْقَمَةَ لَمَّا أَنْشَدَ الْحَارِثَ بْنَ جَبَلَةَ مَلِكَ غَسَّانَ قَوْلَهُ يَسْتَشْفِعُ لِأَخِيهِ شَأْسِ بْنِ عَبْدَةَ:
وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ... فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ
قَالَ لَهُ الْملك «وأذنبة» .