(وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(26)
الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ، وَمَجِيءُ هَذِهِ الْخِطَابَاتِ بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِالَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الَّذِي سَاقَ لَهُمْ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا، وَأَنَّهُ سَيَكُونُ هَذَا أَثَرَهُ فِيهِمْ كُلَّمَا احْتَفَظُوا عَلَيْهِ كُفُوهُ مِنْ قَبْلِ سُؤَالِهِمْ، وَمِنْ قَبْلِ تَسْدِيدِ حَالِهِمْ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُونَ بَعْدَ تَرَفُّهِ حَالِهِمْ أَشَدَّ اسْتِجَابَةً وَأَثْبَتَ قُلُوبًا.
وَفَعْلُ (وَاذْكُرُوا) مُشْتَقٌّ مِنَ الذُّكر - بِضَم الذَّال - وَهُوَ التَّذَكُّرُ لَا ذِكْرَ اللِّسَانِ، أَيْ تَذَكَّرُوا.
و (إِذْ) اسْمُ زَمَانٍ مُجَرَّدٍ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، أَيِ اذْكُرُوا زَمَنَ كُنْتُمْ قَلِيلًا.
وَجُمْلَةُ: (أَنْتُمْ قَلِيلٌ) مُضَافٌ إِلَيْهَا إِذْ لِيَحْصُلَ تَعْرِيفُ الْمُضَافِ، وَجِيءَ بِالْجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ وَصْفِ الْقِلَّةِ وَالِاسْتِضْعَافِ فِيهِمْ.
وَأَخْبَرَ بِـ (قَلِيلٌ) وَهُوَ مُفْرَدٌ عَنْ ضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّ قَلِيلًا وَكَثِيرًا قَدْ يَجِيئَانِ غَيْرَ مُطَابِقَيْنِ لِمَا جَرَيَا عَلَيْهِ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) فِي (سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) [146] .
وَالْأَرْضُ: يُرَادُ بِهَا الدُّنْيَا، فَالتَّعْرِيفُ شَبِيهٌ بِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ، أَوْ أُرِيدَ بِهَا أَرْضُ مَكَّةَ، فَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وَالْمَعْنَى تَذْكِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيَّامِ إِقَامَتِهِمْ بِمَكَّةَ قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَالتَّخَطُّفُ شِدَّةُ الْخَطْفِ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْغَلَبَةِ السَّرِيعَةِ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ شِبْهُ الْأَخْذِ، فَإِذَا كَانَتْ سَرِيعَةً أَشْبَهَتِ الْخَطْفَ، قَالَ تَعَالَى: (وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت: 27] أَيْ يَأْخُذُكُمْ أَعْدَاؤُكُمْ بِدُونِ كُبْرَى مَشَقَّةٍ، وَلَا طُولِ مُحَارَبَةٍ إِذْ كُنْتُمْ لُقْمَةً سَايِغَةً لَهُمْ، وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ صَرَفَهُمْ عَنْكُمْ، وَقَدْ كَانَ الْمُؤْمِنُونَ خَائِفِينَ فِي مَكَّةَ، وَكَانُوا خَائِفِينَ فِي طُرُقِ هِجْرَتَيْهِمْ، وَكَانُوا خَائِفِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى أَذَاقَهُمُ اللَّهُ نِعْمَةَ الْأَمْنِ مِنْ بَعْدِ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
والنَّاسُ: مُرَادٌ بِهِمْ نَاسٌ مَعْهُودُونَ وَهُمُ الْأَعْدَاءُ، الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ، أَيْ طَائِفَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ جِنْسِ النَّاسِ مِنَ الْعُرَابِ الْمُوَالِينَ لَهُمْ.
وَمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ: هِيَ الْأَمْوَالُ الَّتِي غَنِمُوهَا يَوْمَ بَدْرٍ.
وَالْإِيوَاءُ: جعل الْغَيْر ءاويا، أَيْ رَاجِعًا إِلَى الَّذِي يَجعله، فيؤول مَعْنَاهُ إِلَى الْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ.
وَالتَّأْيِيدُ: التَّقْوِيَةُ أَيْ جَعْلُ الشَّيْءِ ذَا أَيْدٍ، أَيْ ذَا قُدْرَةٍ عَلَى الْعَمَلِ، لِأَنَّ الْيَدَ يُكَنَّى بِهَا عَنِ الْقُدْرَةِ قَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ) [ص: 17] .
وَجُمْلَةُ: (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) إِدْمَاجٌ بِذِكْرِ نِعْمَةِ تَوْفِيرِ الرِّزْقِ فِي خِلَالِ الْمِنَّةِ بِنِعْمَةِ النَّصْرِ وَتَوْفِيرِ الْعَدَدِ بَعْدَ الضَّعْفِ وَالْقِلَّةِ، فَإِنَّ الْأَمْنَ وَوَفْرَةَ الْعَدَدِ يَجْلِبَانِ سَعَةَ الرِّزْقِ.
وَمَضْمُونُ هَذِهِ الْآيَةِ صَادِقٌ أَيْضًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ عُصُورِ النُّبُوَّةِ وَالْخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ، فَجَمَاعَتُهُمْ لَمْ تَزَلْ فِي ازْدِيَادِ عِزَّةٍ وَمَنَعَةٍ، وَلَمْ تَزَلْ مَنْصُورَةً عَلَى الْأُمَمِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي كَانُوا يَخَافُونَهَا مِنْ قَبْلَ أَنْ يُؤْمِنُوا، فَقَدْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَنَصَرَهُمْ عَلَى الرُّومِ يَوْمَ تَبُوكَ وَنَصَرَهُمْ عَلَى الْفُرْسِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، وَعَلَى الرُّومِ فِي مِصْرَ، وَفِي بَرْقَةَ، وَفِي إِفْرِيقِيَّةَ، وَفِي بِلَادِ الْجَلَالِقَةِ، وَفِي بِلَادِ الْفِرِنْجَةِ مِنْ أُورُوبَّا، فَلَمَّا زَاغَ الْمُسْلِمُونَ وَتَفَرَّقُوا أَخَذَ أَمْرُهُمْ يَقِفُ ثُمَّ يَنْقَبِضُ ابْتِدَاءً مِنْ ظُهُورِ الدَّعْوَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَهِيَ أَعْظَمُ تَفَرُّقٍ وَقَعَ فِي الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
وَقَدْ نَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فَلَمَّا أَعْطَوْا حَقَّ الشُّكْرِ دَامَ أَمْرُهُمْ فِي تَصَاعُدٍ، وَحِينَ نَسَوْهُ أَخَذَ أَمْرُهُمْ فِي تَرَاجُعٍ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.