فهرس الكتاب

الصفحة 2515 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 39]

(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ(39)

وَقَوْلُهُ: (صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ) تَمْثِيلٌ لِحَالِهِمْ فِي ضَلَالِ عَقَائِدِهِمْ وَالِابْتِعَادِ عَنِ الِاهْتِدَاءِ بِحَالِ قَوْمٍ صُمٍّ وَبُكْمٍ فِي ظَلَامٍ.

فَالصَّمَمُ يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَلَقِّي هُدَى مَنْ يَهْدِيهِمْ، وَالْبَكَمُ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الِاسْتِرْشَادِ مِمَّنْ يَمُرُّ بِهِمْ، وَالظَّلَامُ يَمْنَعُهُمْ مِنَ التَّبَصُّرِ فِي الطَّرِيقِ أَوِ الْمَنْفَذِ الْمُخْرِجِ لَهُمْ مِنْ مَأْزِقِهِمْ.

وَإِنَّمَا قِيلَ (فِي الظُّلُماتِ) وَلَمْ يُوصَفُوا بِأَنَّهُمْ عُمْيٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) [الْإِسْرَاء: 97] لِيَكُونَ لِبَعْضِ أَجْزَاءِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِهَا مَا يَصْلُحُ لِشَبَهِ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ، فَإِنَّ الْكُفْرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالَّذِي أَصَارَهُمْ إِلَى اسْتِمْرَارِ الضَّلَالِ يُشْبِهُ الظُّلُمَاتِ فِي الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الدَّاخِلِ فِيهِ وَبَيْنَ الِاهْتِدَاءِ إِلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

فَهَذَا التَّمْثِيلُ جَاءَ عَلَى أَتَمِّ شُرُوطِ التَّمْثِيلِ.

وَهُوَ قَبُولُهُ لِتَفْكِيكِ أَجْزَاءِ الْهَيْئَتَيْنِ إِلَى تَشْبِيهَاتٍ مُفْرَدَةٍ، كَقَوْلِ بَشَّارٍ:

كَأَنَّ مُثَارَ النّقع فَوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهادى كَوَاكِبُهْ

وَجَمْعُ الظُّلُمَاتِ جَارٍ عَلَى الْفَصِيحِ مِنْ عَدَمِ اسْتِعْمَالِ الظُّلْمَةِ مُفْرَدًا.

وَقَوْلُهُ: (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ حَالَهُمُ الْعَجِيبَةَ تُثِيرُ سُؤَالًا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا بَالُهُمْ لَا يَهْتَدُونَ مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الدَّلَائِلِ الْبَيِّنَاتِ، فَأُجِيبَ بِأَنَّ اللَّهَ أَضَلَّهُمْ فَلَا يَهْتَدُونَ.

وَمَعْنَى إِضْلَالِ اللَّهِ تَقْدِيرُهُ الضَّلَالَ بِأَنْ يَخْلُقَ الضَّالَّ بِعَقْلٍ قَابِلٍ لِلضَّلَالِ مُصِرٍّ عَلَى ضَلَالِهِ عَنِيدٍ عَلَيْهِ فَإِذَا أَخَذَ فِي مَبَادِئِ الضَّلَالِ كَمَا يَعْرِضُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَوَعَظَهُ وَاعِظٌ أَوْ خَطَرَ لَهُ فِي نَفْسِهِ خَاطِرٌ أَنَّهُ عَلَى ضَلَالٍ مَنَعَهُ إِصْرَارُهُ مِنَ الْإِقْلَاعِ عَنْهُ فَلَا يَزَالُ يَهْوِي بِهِ فِي مَهَاوِي الضَّلَالَةِ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ إِلَى غَايَةِ التَّخَلُّقِ بِالضَّلَالِ فَلَا يَنْكَفُّ عَنْهُ.

وَهَذَا مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) [التِّين: 4، 5]

وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» .

وَكُلُّ هَذَا مِنْ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّكْوِينِ وَالْخَلْقِ وَهُوَ تَصَرُّفُ الْقَدَرِ.

وَلَهُ اتِّصَالٌ بِنَامُوسِ التَّسَلْسُلِ فِي تَطَوُّرِ أَحْوَالِ الْبَشَرِ فِي تَصَرُّفَاتٍ بِعُقُولِهِمْ وَعَوَائِدِهِمْ، وَهِيَ سِلْسِلَةٌ بَعِيدَةُ الْمَدَى اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَدْبِيرِ نِظَامِ هَذَا الْعَالَمِ، وَلَا يَعْلَمُ كُنْهَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ هَذَا الْإِضْلَالُ بِالْأَمْرِ بِالضَّلَالِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَلَا بِتَلْقِينِهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ وَتَسْهِيلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَمَ مَنْ أَرَادَ إِضْلَالَهُ مِنِ انْتِشَالِهِ وَاللُّطْفِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ فَضْلُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِأَهْلِهِ.

وَمَعْنَى الْمُسْتَقِيمُ أَنَّهُ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، لِأَنَّ السَّيْرَ فِي الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ أَيْسَرُ عَلَى السَّائِرِ وَأَقْرَبُ وُصُولًا إِلَى الْمَقْصُودِ.

وَمَعْنَى (عَلَى) الِاسْتِعْلَاءُ، وَهُوَ اسْتِعْلَاءُ السَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ.

فَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فَمَنَّ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ يَرْعَوِي مِنْ غَيِّهِ وَيُصْغِي إِلَى النَّصِيحَةِ فَلَا يَقَعُ فِي الْفَسَادِ فَاتَّبَعَ الدِّينَ الْحَقَّ، بِحَالِ السَّائِرِ فِي طَرِيقٍ وَاضِحَةٍ لَا يتحيّر وَلَا يخطئ الْقَصْدَ، وَمُسْتَقِيمَةٌ لَا تُطَوِّحُ بِهِ فِي طُولِ السَّيْرِ.

وَهَذَا التَّمْثِيلُ أَيْضًا صَالِحٌ لِتَشْبِيهِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت