(قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(135)
وَأمر أَن يبتدئ خِطَابَهُمْ بِالنِّدَاءِ لِلِاهْتِمَامِ بِمَا سَيُقَالُ لَهُمْ، لِأَنَّ النِّدَاءَ يَسْتَرْعِي إِسْمَاعَ الْمُنَادَيْنِ، وَكَانَ الْمُنَادِي عُنْوَانَ الْقَوْمِ لِمَا يَشْعُرُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ قَدْ رَقَّ لِحَالِهِمْ حِينَ تَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) [الْأَنْعَام: 134] لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّهُ يُحِبُّ لِقَوْمِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
وَالنِّدَاءُ: لِلْقَوْمِ الْمُعَانِدِينَ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، الدَّالِّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلتَّهْدِيدِ، وَأَنَّ عَمَلَهُمْ مُخَالِفٌ لِعَمَلِهِ، لِقَوْلِهِ: (اعْمَلُوا - مَعَ قَوْلِهِ - إِنِّي عامِلٌ) .
فَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: (اعْمَلُوا) لِلتَّسْوِيَةِ وَالتَّخْلِيَةِ لِإِظْهَارِ الْيَأْسِ مِنِ امْتِثَالِهِمْ لِلنُّصْحِ بِحَيْثُ يُغَيِّرُ نَاصِحُهُمْ نُصْحَهُمْ إِلَى الْإِطْلَاقِ لَهُمْ فِيمَا يُحِبُّونَ أَنْ يَفْعَلُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: 40] وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ اسْتِعَارَةٌ إِذْ يُشَبَّهُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِ الْمَأْيُوسُ مِنَ ارْعِوَائِهِ بِالْمَأْمُورِ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا كَانَ يُنْهَى عَنْهُ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ الْمَنْهِيَّ صَارَ وَاجِبًا، وَهَذَا تَهَكُّمٌ.
وَالْمَكَانَةُ: الْمَكَانُ، جَاءَ عَلَى التَّأْنِيثِ مِثْلُ مَا جَاءَ الْمُقَامَةُ لِلْمُقَامِ، وَالدَّارَةُ اسْمًا لِلدَّارِ، وَالْمَاءَةُ لِلْمَاءِ الَّذِي يُنْزَلُ حَوْلَهُ، يُقَالُ: أَهْلُ الْمَاءِ وَأَهْلُ الْمَاءَةِ.
وَالْمَكَانَةُ هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِلْحَالَةِ الَّتِي تَلَبَّسَ بِهَا الْمَرْءُ، تُشَبَّهُ الْحَالَةُ فِي إِحَاطَتِهَا وَتَلَبُّسِ صَاحِبِهَا بِهَا بِالْمَكَانِ الَّذِي يَحْوِي الشَّيْءَ.
أَوْ تَكُونُ الْمَكَانَةُ كِنَايَةً عَنِ الْحَالَةِ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْمَرْءِ تَظْهَرُ فِي مَكَانِهِ وَمَقَرِّهِ، فَلِذَلِكَ يُقَالُ: «يَا فُلَانُ عَلَى مَكَانَتِكَ» أَيْ اُثْبُتْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ لَا تَنْحَرِفْ عَنْهُ.
وَمَفْعُولُ (اعْمَلُوا) مَحْذُوفٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ نَزَلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، أَيِ اعْمَلُوا عَمَلَكُمُ الْمَأْلُوفَ الَّذِي هُوَ دَأْبُكُمْ، وَهُوَ الْإِعْرَاضُ وَالتَّكْذِيبُ بِالْحَقِّ.
و (عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التَّمَكُّنِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وَهِيَ مُنَاسِبَةٌ لِاسْتِعَارَةِ الْمَكَانَةِ لِلْحَالَةِ.
لِأَنَّ الْعِلَاوَةَ تُنَاسِبُ الْمَكَانَ، فَهِيَ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعَارَةِ، مُسْتَعَارٌ مِنْ مُلَائِمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِمُلَائِمِ الْمُشَبَّهِ.
وَالْمَعْنَى: الْزَمُوا حَالَكُمْ فَلَا مَطْمَعَ لِي فِي اتِّبَاعِكُمْ.