(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ(6)
وَالرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَلْبِيَّةً، أَيْ أَلَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ الْقُرُونِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ، وَيَجُوزُ أَن تكون بصرية بِتَقْدِيرِ: أَلَمْ يَرَوْا آثَارَ الْقُرُونِ الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا كَدِيَارِ عَادٍ وَحِجْرِ ثَمُودَ، وَقَدْ رَآهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي رِحْلَاتِهِمْ، وَحَدَّثُوا عَنْهَا النَّاسَ حَتَّى تَوَاتَرَتْ بَيْنَهُمْ فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْئِيِّ وَتَحَقَّقَتْهَا نُفُوسُهُمْ.
وَ (مِنْ) مِنْ فِي قَوْلِهِ (مِنْ قَبْلِهِمْ) ابْتِدَائِيَّةٌ لِتَأْكِيدِ الْقَبْلِيَّةِ.
وَأَمَّا (مِنْ) فِي قَوْلِهِ (مِنْ قَرْنٍ) فَزَائِدَةٌ جَارَّةٌ لِمُمَيِّزِ كَمْ الْخَبَرِيَّةِ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُمَيِّزِهَا.
وَالْقَرْنُ أَصْلُهُ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ، وَكَثُرَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْأُمَّةِ الَّتِي دَامَتْ طَوِيلًا قَالَ تَعَالَى: (مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى) .
وَفَسَّرَ الْقَرْنَ بِالْأُمَّةِ الْبَائِدَةِ.
وَيُطْلَقُ الْقَرْنُ عَلَى الْجِيلِ مِنَ الْأُمَّةِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ.
وَيُطْلَقُ عَلَى مِقْدَارٍ مِنَ الزَّمَنِ قَدْرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وَمَعْنَى: (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) ثَبَّتْنَاهُمْ وَمَلَّكْنَاهُمْ، وَأَصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَكَانِ.
فَمَعْنَى مَكَّنَهُ وَمَكَّنَ لَهُ، وَضَعَ لَهُ مَكَانًا.
وَيُكَنَّى بِالتَّمْكِينِ عَنِ الْإِقْدَارِ وَإِطْلَاقِ التَّصَرُّفِ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَكَانِ يَتَصَرَّفُ فِي مَكَانِهِ وَبَيْتِهِ ثُمَّ يُطْلَقُ عَلَى التَّثْبِيتِ وَالتَّقْوِيَةِ وَالِاسْتِقْلَالِ بِالْأَمْرِ.
وَاسْتِعْمَالُ التَّمْكِينِ فِي مَعْنَى التَّثْبِيتِ وَالتَّقْوِيَةِ كِنَايَة أَو مجَاز مُرْسل لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّقْوِيَةَ.
وَقَدْ شَاعَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ حَتَّى صَارَ كَالصَّرِيحِ أَوْ كَالْحَقِيقَةِ.
وَوَصْفُ الْمَطَرِ بِالْمِدْرَارِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَإِنَّمَا الْمِدْرَارُ سَحَابَةٌ.
وَهَذِهِ الصِّيغَةُ يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
وَالْمُرَادُ إِرْسَالُ الْمَطَرِ فِي أَوْقَاتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ بِحَيْثُ كَانَ لَا يُخَلِّفُهُمْ فِي مَوَاسِمِ نُزُولِهِ.
وَمِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ كَثْرَةُ الْأَنْهَارِ وَالْأَوْدِيَةِ بِكَثْرَةِ انْفِجَارِ الْعُيُونِ مِنْ سِعَةِ رِيِّ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، وَقَدْ كَانَتْ حَالَةُ مُعْظَمِ بِلَادِ الْعَرَبِ فِي هَذَا الْخِصْبِ وَالسِّعَةِ، كَمَا عَلِمَهُ اللَّهُ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ آثَارُ مَصَانِعِهِمْ وَسُدُودِهِمْ وَنَسَلَانُ الْأُمَمِ إِلَيْهَا، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ بِحَوَادِثَ سَمَاوِيَّةٍ كَالْجَدْبِ الَّذِي حَلَّ سِنِينَ بِبِلَادِ عَادٍ، أَوْ أَرْضِيَّةٍ، فَصَارَ مُعْظَمُهَا قَاحِلًا فَهَلَكَتْ أُمَمُهَا وَتَفَرَّقُوا أَيَادِيَ سَبَا.
وَقَوْلُهُ: (وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) الْإِنْشَاءُ الْإِيجَادُ الْمُبْتَكَرُ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً) .
وَالْمُرَادُ بِهِ إِنْشَاؤُهُمْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الَّتِي كَانَ الْقَرْنُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ التَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ وَالْإِسْعَافِ بِالْخِصْبِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ الله مهلكهم ومنشئ مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دِيَارِهِمْ.
فَفِيهِ نِذَارَةٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ وَسَائِرِ بِلَادِ الْعَرَبِ عَلَى أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِنْشَاءِ الْوِلَادَةُ وَالْخَلْقُ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَمِرٌّ فِي الْبَشَرِ لَا يَنْتَهِي، وَلَيْسَ فِيهِ عِظَةٌ وَلَا تهديد للجبايرة الْمُشْرِكِينَ.
وَأَفْرَدَ (قَرْنًا) مَعَ أَنَّ الْفِعْلَ النَّاصِبَ لَهُ مُقَيَّدٌ بِأَنَّهُ مِنْ بَعْدِ جَمْعِ الْقُرُونِ، عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِ كُلِّ قَرْنٍ مِنَ الْمُهْلِكِينَ قرنا آخَرين.