فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 4110

وَهَذِهِ الْآيَةُ قَدْ أَثْبَتَتْ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ إِثْبَاتًا مُتَوَاتِرًا امْتَازَ بِهِ الْقُرْآنُ عَنْ بَقِيَّةِ الْمُعْجِزَاتِ، فَإِنَّ سَائِرَ الْمُعْجِزَاتِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِنَبِيِّنَا عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا ثَبَتَتْ بِأَخْبَارِ آحَادٍ وَثَبَتَ مِنْ جَمِيعِهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِهَا وَهُوَ وُقُوعُ أَصْلِ الْإِعْجَازِ بِتَوَاتُرٍ مَعْنَوِيٍّ مِثْلُ كَرَمِ حَاتِمٍ وَشَجَاعَةِ عَمْرٍو فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِعْجَازُهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ النَّقْلِيِّ أَدْرَكَ مُعْجِزَتَهُ الْعَرَبُ بِالْحِسِّ، وَأَدْرَكَهَا عَامَّةُ غَيْرِهِمْ بِالنَّقْلِ، وَقَدْ تُدْرِكُهَا الْخَاصَّةُ مِنْ غَيْرِهِمْ بِالْحِسِّ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ.

أَمَّا إِدْرَاكُ الْعَرَبِ مُعْجِزَةَ الْقُرْآنِ فَظَاهِرٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا فَإِنَّهُمْ كذبُوا النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وناوؤه وَأَعْرَضُوا عَنْ مُتَابَعَتِهِ فَحَاجَّهُمْ عَلَى إِثْبَاتِ صِدْقِهِ بِكَلَامٍ أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ دَلِيلَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَجْزَهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ فَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ حُرُوفِ لُغَتِهِمْ وَمِنْ كَلِمَاتِهَا وَعَلَى أَسَالِيبِ تَرَاكِيبِهَا، وَأَوْدَعَ مِنَ الْخَصَائِصِ الْبَلَاغِيَّةِ مَا عَرَفُوا أَمْثَالَهُ فِي كَلَامِ بُلَغَائِهِمْ مِنَ الْخُطَبَاءِ وَالشُّعَرَاءِ ثُمَّ حَاكَمَهُمْ إِلَى الْفَصْلِ فِي أَمْرِ تَصْدِيقِهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ بِحُكْمٍ سَهْلٍ وَعَدْلٍ، وَهُوَ مُعَارَضَتُهُمْ لِمَا أَتَى بِهِ أَوْ عَجْزُهُمْ عَنْ ذَلِكَ نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَهَاتِهِ الْآيَةِ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الْمُعَارَضَةَ فَكَانَ عَجْزُهُمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ لَا يَعْدُو أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَجْزُهُمْ لِأَنَّ الْقُرْآنَ بَلَغَ فِيمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَصَائِصِ الْبَلَاغِيَّةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْحَالُ حَدَّ الْإِطَاقَةِ لِأَذْهَانِ بُلَغَاءِ الْبَشَرِ بِالْإِحَاطَةِ بِهِ، بِحَيْثُ لَوِ اجْتَمَعَتْ أَذْهَانُهُمْ وَانْقَدَحَتْ قَرَائِحُهُمْ وَتَآمَرُوا وَتَشَاوَرُوا فِي نَوَادِيهِمْ وَبِطَاحِهِمْ وَأَسْوَاقِ مَوْسِمِهِمْ، فَأَبْدَى كُلُّ بَلِيغٍ مَا لَاحَ لَهُ مِنَ النُّكَتِ وَالْخَصَائِصِ لَوَجَدُوا كُلَّ ذَلِكَ قَدْ وَفَتْ بِهِ آيَاتُ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِهِ وَأَتَتْ بِأَعْظَمَ مِنْهُ، ثُمَّ لَوْ لحق بهم لَاحقٌ، وَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ فَأَبْدَى مَا لَمْ يُبْدُوهُ مِنَ النُّكَتِ لَوَجَدَ تِلْكَ الْآيَةَ الَّتِي انْقَدَحَتْ فِيهَا أَفْهَامُ السَّابِقَيْنِ وَأَحْصَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْخَصَائِصِ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَا لَاحَ لِهَذَا الْأَخِيرِ وَأَوْفَرَ مِنْهُ، فَهَذَا هُوَ الْقَدْرُ الَّذِي أَدْرَكَهُ بُلَغَاءُ الْعَرَبِ بِفِطَرِهِمْ، فَأَعْرَضُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ عِلْمًا بِأَنَّهُمْ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِمِثْلِهِ، وَقَدْ كَانُوا مِنْ عُلُوِّ الْهِمَّةِ وَرَجَاحَةِ الرَّأْيِ بِحَيْثُ لَا يُعَرِّضُونَ أَنْفُسَهُمْ لِلِافْتِضَاحِ وَلَا يَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ بِالِانْتِقَاصِ لِذَلِكَ رَأَوُا الْإِمْسَاكَ عَنِ الْمُعَارَضَةِ أَجْدَى بِهِمْ وَاحْتَمَلُوا النِّدَاءَ عَلَيْهِمْ بِالْعَجْزِ عَنِ الْمُعَارَضَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، لَعَلَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ السُّكُوتَ يَقْبَلُ مِنَ التَّأْوِيلِ بِالْأَنَفَةِ مَا لَا تَقْبَلُهُ الْمُعَارَضَةُ الْقَاصِرَةُ عَنْ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ فَثَبَتَ أَنَّهُ مُعْجِزٌ لِبُلُوغِهِ حَدًّا لَا يَسْتَطِيعُهُ الْبَشَرُ فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ خَارِقًا لِلْعَادَةِ وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَوْجَدَهُ كَذَلِكَ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ فَالْعَجْزُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ لِهَذَا الْوَجْهِ كَانَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ وَهَذَا هُوَ رَأْيُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَأَعْيَانِ الْأَشَاعِرَةِ مِثْلِ أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَعَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ.

وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مُمْكِنَةً مِنْهُمُ الْمُعَارَضَةُ وَلَكِنَّهُمْ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنِ التَّصَدِّي لَهَا مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ صَدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ أَمْرًا خَارِقًا لِلْعَادَةِ أَيْضًا وَهُوَ دَلِيلُ الْمُعْجِزَةِ، وَهَذَا مَذْهَبٌ مِنْ قَوْلٍ ذَهَبَ إِلَيْهِ فَرِيقٌ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي «إِعْجَازِ الْقُرْآنِ» وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ قَائِلًا وَقد نسبه التفتازانيّ فِي كِتَابِ «الْمَقَاصِدِ» إِلَى الْقَائِلِينَ إِنَّ الْإِعْجَازَ بِالصِّرْفَةِ وَهُوَ قَوْلُ النَّظَّامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَسَبَهُ الْخَفَاجِيُّ إِلَى أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيِّ وَنَسَبَهُ عِيَاضٌ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ وَقَالَ بِهِ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى مِنَ الشِّيعَةِ كَمَا فِي «الْمَقَاصِدِ» وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ كَافِيًا فِي أَنَّ عَجْزَهُمْ عَلَى الْمُعَارَضَةِ بِتَعْجِيزِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ هُوَ مَسْلَكٌ ضَعِيفٌ.

فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْعَرَبِ لِلْمُعَارَضَةِ تَعَاجُزًا لَا عَجْزًا؟ وَبعد فَمن آمننا أَنْ يَكُونَ الْعَرَبُ قَدْ عَارَضُوا الْقُرْآنَ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا مَا عَارَضُوا بِهِ؟ قُلْتُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ تَعَاجُزًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ فِي أُمَّةٍ مُنَاوِئَةٍ لَهُ مُعَادِيَةٍ لَا كَمَا بُعِثَ مُوسَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوَالِينَ مُعَاضِدِينَ لَهُ وَمُشَايِعِينَ فَكَانَتِ الْعَرَبُ قاطبة مُعَارضَة للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ كَذَّبُوهُ وَلَمَزُوهُ بِالْجُنُونِ وَالسِّحْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَتِّبِعْهُ مِنْهُمْ إِلَّا نفر قَلِيل مستضعفين بَيْنَ قَوْمِهِمْ لَا نَصِيرَ لَهُمْ فِي أَوَّلِ الدَّعْوَةِ ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ أَنْ قَاطَعُوهُ ثُمَّ أَمَرُوهُ بِالْخُرُوجِ بَيْنَ هَمٍّ بِقَتْلِهِ وَاقْتِصَارٍ عَلَى إِخْرَاجِهِ كُلُّ هَذَا ثَبَتَ عَنْهُمْ فِي أَحَادِيثِهِمْ وَأَقْوَالِهِمُ الْمَنْقُولَةِ نَقْلًا يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُنَا عَلَيْهِ عَلَى الْكَذِبِ وَدَامُوا عَلَى مُنَاوَأَتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ كَذَلِكَ يَصُدُّونَهُ عَنِ الْحَجِّ وَيَضْطَهِدُونَ أَتْبَاعَهُ إِلَى آخِرِ مَا عُرِفَ فِي التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمُنَاوَأَةُ فِي أَمَدٍ قَصِيرٍ يُمْكِنُ فِي خِلَالِهِ كَتْمُ الْحَوَادِثِ وَطَيُّ نَشْرِ الْمُعَارَضَةِ فَإِنَّهَا مُدَّةُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ.

لَا جَرَمَ أَنَّ أَقْصَى رَغْبَةٍ لَهُمْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ هِيَ إِظْهَارُ تَكْذِيبِهِ انْتِصَارًا لِأَنْفُسِهِمْ وَلِآلِهَتِهِمْ وَتَظَاهُرًا بِالنَّصْرِ بَيْنَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ كُلُّ هَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُمْ مِنْ فُرْسٍ وَرُومٍ وَقِبْطٍ وَأَحْبَاشٍ.

وَلَا جَرَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ قَصَّرَ مَعَهُمْ مَسَافَةَ الْمُجَادَلَةَ وَهَيَّأَ لَهُمْ طَرِيقَ إِلْزَامِهِ بِحَقِّيَّةِ مَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ فَأتَاهُمْ كِتَابًا مُنَزَّلًا نُجُومًا وَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُعَارَضَةِ بِالْإِتْيَانِ بِقِطْعَةٍ قَصِيرَةٍ مِثْلِهِ وَأَنْ يَجْمَعُوا لِذَلِكَ شُهَدَاءَهُمْ وَأَعْوَانَهُمْ نَطَقَ بِذَلِكَ هَذَا الْكِتَابُ، كُلُّ هَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ فَإِنَّ هَذَا الْكِتَابَ مُتَوَاتِرٌ بَيْنَ الْعَرَبِ وَلَا يَخْلُو عَنِ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ أَهْلُ الدِّينِ مِنَ الْأُمَمِ وَإِنَّ اشْتِمَالَهُ عَلَى طَلَبِ الْمُعَارَضَةِ ثَابِتٌ بِالتَّوَاتُرِ الْمَعْلُومِ لَدَيْنَا فَإِنَّهُ هُوَ هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي آمَنَ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بِهِ وَحَفِظُوهُ وَآمَنَ بِهِ جَمِيعُ الْعَرَبِ أَيْضًا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَأَلِفُوهُ كَمَا هُوَ الْيَوْمَ شَهِدَتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْيَالُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.

وَقَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَدُّونَ الْمَدْعُوُّونَ إِلَى الْمُعَارَضَةِ بِالْمَكَانَةِ الْمَعْرُوفَةِ مِنْ أَصَالَةِ الرَّأْيِ وَاسْتِقَامَةِ الْأَذْهَانِ، وَرُجْحَانِ الْعُقُولِ وَعَدَمِ رَوَاجِ الزَّيْفِ عَلَيْهِمْ، وَبِالْكَفَاءَةِ وَالْمَقْدِرَةِ عَلَى التَّفَنُّنِ فِي الْمَعَانِي وَالْأَلْفَاظِ تَوَاتَرَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَنْهُمْ بِمَا نُقِلَ مِنْ كَلَامِهِمْ نَظْمًا وَنَثْرًا وَبِمَا اشْتَهَرَ وَتَوَاتَرَ مِنَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ بَيْنِ الْمَرْوِيَّاتِ مِنْ نَوَادِرِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ يَعُوزُهُمْ أَنْ يُعَارِضُوهُ لَوْ وَجَدُوهُ عَلَى النَّحْوِ الْمُتَعَارَفِ لَدَيْهِمْ فَإِنَّ صِحَّةَ أَذْهَانِهِمْ أَدْرَكَتْ أَنَّهُ تَجَاوَزَ الْحَدَّ الْمُتَعَارَفَ لَدَيْهِمْ فَلِذَلِكَ أَعْرَضُوا عَنِ الْمُعَارَضَةِ مَعَ تَوَفُّرِ دَاعِيهِمْ بِالطَّبْعِ وَحِرْصِهِمْ لَوْ وَجَدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا ثَبَتَ إِعْرَاضُهُمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ إِذْ لَوْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا لَأَعْلَنُوهُ وَأَشَاعُوهُ وَتَنَاقَلَهُ النَّاسُ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَوَادِثِ الْعَظِيمَةِ فَعَدَلُوا عَنِ الْمُعَارَضَةِ بِاللِّسَانِ إِلَى الْمُحَارَبَةِ وَالْمُكَافَحَةِ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ لَا مَحَالَةَ عِنْدَ أَهْلِ التَّارِيخِ وَغَيْرِهِمْ.

وَأَيًّا مَا جَعَلْتَ سَبَبَ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ مِنْ خُرُوجِ كَلَامِهِ عَنْ طَوْقِ الْبَشَرِ أَوْ مِنْ صَرْفِ اللَّهِ أَذْهَانَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَمْرٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ كَانَ بِتَقْدِيرٍ مِنْ خَالِقِ الْقَدَرِ وَمُعْجِزِ الْبَشَرِ.

وَوَرَاءَ هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ آخَرَ يُعَرِّفُنَا بِأَنَّ الْعَرَبَ بِحُسْنِ فِطْرَتِهِمْ قَدْ أَدْرَكُوا صِدْقَ الرَّسُولِ وَفَطِنُوا لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ مُعْتَادٍ لِلْبَشَرِ وَأَنَّهُمْ مَا كَذَّبُوا إِلَّا عِنَادًا أَوْ مُكَابَرَةً وَحِرْصًا عَلَى السِّيَادَةِ وَنُفُورًا مِنَ الِاعْتِرَافِ بِالْخَطَأِ، ذَلِكَ الدَّلِيلُ هُوَ إِسْلَامُ جَمِيعِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَتَعَاقُبُهُمْ فِي الْوِفَادَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُقْتَدِينَ بِقُرَيْشٍ فِي الْمُعَارَضَةِ مُكْبِرِينَ الْمُتَابِعَةَ لِهَذَا الدِّينِ خَشْيَةَ مَسَبَّةِ بَعْضِهِمْ وَخَاصَّةً قُرَيْشٌ وَمَنْ ظَاهَرَهُمْ، فَلَمَّا غُلِبَتْ قُرَيْشٌ لَمْ يَبْقَ مَا يَصُدُّ بَقِيَّةَ الْعَرَبِ عَنِ الْمَجِيءِ طَائِعِينَ مُعْتَرِفِينَ عَنْ غَيْرِ غَلَبٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ الثَّبَاتَ لِلْمُقَارَعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا ثَبَتَتْ قُرَيْشٌ إِذْ قَدْ كَانَ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ أَهْلُ الْبَأْسِ وَالشِّدَّةِ مِنْ عرب نجد وطئ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنِ اعْتَزَّ بِهِمُ الْإِسْلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا عُرِفَ فِي عَوَائِدِ الْأُمَمِ وَأَخْلَاقِهَا أَنْ تَنْبِذَ قَبَائِلُ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ أَدْيَانًا تَعْتَقِدُ صِحَّتَهَا وَتَجِيءَ جَمِيعَهَا طَائِعًا نَابِذًا دِينَهُ فِي خِلَالِ أَشْهُرٍ مِنْ عَامِ الْوُفُودِ لَمْ يَجْمَعْهُمْ فِيهِ نَادٍ وَلَمْ تَسْرِ بَيْنَهُمْ سُفَرَاءُ وَلَا حَشَرَهُمْ مَجْمَعٌ لَوْلَا أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَهَيِّئِينَ لِهَذَا الِاعْتِرَافِ لَا يَصُدُّهُمْ عَنْهُ إِلَا صَادٌّ ضَعِيفٌ وَهُوَ الْمُكَابَرَةُ وَالْمُعَانَدَةُ.

ثُمَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُعْجِزَةٌ بَاقِيَةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ: (وَلَنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهَا قَدْ مَرَّتْ عَلَيْهَا العصور والقرون وَمَا صدقهَا وَاضِحٌ إِذْ لَمْ تَقَعِ الْمُعَارَضَةُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ وَلَا مِمَّنْ لَحِقَهُمْ إِلَى الْيَوْمِ.

فَإِنْ قُلْتَ: ثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ لِلْعَرَبِ وَبِذَلِكَ ثَبَتَ لَدَيْهِمْ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ وَثَبَتَ لَدَيْهِمْ بِهِ صِدْقُ الرَّسُولِ وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لِمَنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ فَمَا هِيَ الْمُعْجِزَةُ لِغَيْرِهِمْ؟

قُلْتُ إِنَّ ثُبُوتَ الْإِعْجَازِ لَا يَسْتَلْزِمُ مُسَاوَاةَ النَّاسِ فِي طَرِيقِ الثُّبُوتِ فَإِنَّهُ إِذَا أَعْجَزَ الْعَرَبَ ثَبَتَ أَنَّهُ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ لِمَا عَلِمْتَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فَيَكُونُ الْإِعْجَازُ لِلْعَرَبِ بِالْبَدَاهَةِ وَلِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالْبُرْهَانِ وَهُمَا طَرِيقَانِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ.

وَبَعْدُ فَإِنَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يُدْرِكَ الْإِعْجَازَ كَمَا أَدْرَكَهُ الْعَرَبُ فَمَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَشْتَغِلَ بِتَعَلُّمِ اللُّغَةِ وَأَدَبِهَا وَخَصَائِصِهَا حَتَّى يُسَاوِيَ أَوْ يُقَارِبَ الْعَرَبَ فِي ذَوْقِ لُغَتِهِمْ ثُمَّ يَنْظُرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي نِسْبَةِ الْقُرْآنِ مِنْ كَلَامِ بُلَغَائِهِمْ وَلَمْ يَخْلُ عَصْرٌ مِنْ فِئَةٍ اضْطَلَعَتْ بِفَهْمِ الْبَلَاغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَدْرَكَتْ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ وَهُمْ عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ وَأَدَبِ الْعَرَبِيَّةِ الصَّحِيحِ.

قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي مُقَدِّمَةِ «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ غَيْرَ مَا قُلْتَ (أَيْ مِنْ تَوَقُّفِهِ عَلَى عِلْمِ الْبَيَانِ) وَهُوَ عِلْمُنَا بِعَجْزِ الْعَرَبِ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ وَتَرْكِهِمْ أَنْ يُعَارِضُوهُ مَعَ تَكْرَارِ التَّحَدِّي عَلَيْهِمْ وَطُولِ التَّقْرِيعِ لَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ مَا قَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْعَجَمِ قِيَامَهَا عَلَى الْعَرَبِ وَمَا اسْتَوَى النَّاسُ فِيهِ قَاطِبَةً فَلَمْ يَخْرُجِ الْجَاهِلُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحْجُوجًا بِالْقُرْآنِ قِيلَ لَهُ خَبِّرْنَا عَمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنِ اخْتِصَاصِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ كَانَتْ مُعْجِزَتُهُ بَاقِيَةً عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ أَتَعْرِفُ لَهُ مَعْنًى غَيْرَ أَلَّا يَزَالَ الْبُرْهَانُ مِنْهُ لَائِحًا مُعْرِضًا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ بِهِ وَالْعِلْمُ بِهِ

مُمْكِنًا لِمَنِ الْتَمَسَهُ وَأَلَّا مَعْنَى لِبَقَاءِ الْمُعْجِزَةِ بِالْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي كَانَ بِهِ مُعْجِزًا قَائِمٌ فِيهِ أَبَدًا اهـ.

وَقَالَ السَّكَّاكِيُّ فِي مَعْرِضِ التَّنْوِيهِ بِبَعْضِ مَسَائِلِ التَّقْدِيمِ قَوْلُهُ: «مُتَوَسِّلًا بِذَلِكَ إِلَى أَنْ يَتَأَنَّقَ فِي وَجْهِ الْإِعْجَازِ فِي التَّنْزِيلِ مُنْتَقِلًا مِمَّا أَجْمَلَهُ عَجْزُ الْمُتَحَدِّينَ بِهِ عِنْدَكَ إِلَى التَّفْصِيلِ» وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْعَاشِرَةِ تَفَاصِيلَ مِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِهِ فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَصْنَافٍ مِنَ الْإِعْجَازِ إِذْ نَقَلَتِ الْإِعْجَازَ بِالتَّوَاتُرِ وَكَانَتْ بِبَلَاغَتِهَا مُعْجِزَةً، وَكَانَتْ مُعْجِزَةً مِنْ حَيْثُ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ بِمَا تَحَقَّقَ صِدْقُهُ فَسُبْحَانَ مُنْزِلِهَا وَمُؤَتِّيهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت