(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(267)
إِفْضَاءٌ إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالصَّدَقَاتِ بَعْدَ أَنْ قُدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَوَاعِظُ وترغيب وتحذير.
وَهِي طَرِيقَةٌ بَلَاغِيَّةٌ فِي الْخَطَابَةِ وَالْخِطَابِ.
فَرُبَّمَا قَدَّمُوا الْمَطْلُوب ثمَّ جَاءُوا بِمَا يُكْسِبُهُ قَبُولًا عِنْدَ السَّامِعِينَ، وَرُبَّمَا قَدَّمُوا مَا يُكْسِبُ الْقَبُولَ قَبْلَ الْمَقْصُودِ كَمَا هُنَا.
وَهَذَا مِنِ ارْتِكَابِ خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فِي تَرْتِيبِ الْجُمَلِ، وَنُكْتَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ التَّرْغِيبُ فِي الصَّدَقَةِ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ فَصَارَ غَرَضًا دِينِيًّا مَشْهُورًا، وَكَانَ الِاهْتِمَامُ بِإِيضَاحِهِ وَالتَّرْغِيبُ فِي أَحْوَالِهِ وَالتَّنْفِيرُ مِنْ نَقَائِصِهِ أَجْدَرَ بِالْبَيَانِ.
وَالْأَمْرُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ فَتَكُونَ الْآيَةُ فِي الْأَمْرِ بِالزَّكَاةِ، أَو للنَّدْب وَهِي فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَوْ هُوَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِي الطَّلَبِ فَتَشْمَلُ الزَّكَاةَ وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، وَالْأَدِلَّةُ الْأُخْرَى تُبَيِّنُ حُكْمَ كُلٍّ.
وَالْقَيْدُ بِالطَّيِّبَاتِ يُنَاسِبُ تَعْمِيمَ النَّفَقَاتِ.
وَالْمُرَادُ بِالطَّيِّبَاتِ خِيَارُ الْأَمْوَالِ، فَيُطْلَقُ الطَّيِّبُ عَلَى الْأَحْسَنِ فِي صِنْفِهِ.
وَيُطْلَقُ الطَّيِّبُ عَلَى الْمَالِ الْمُكْتَسَبِ بِوَجْهٍ حَلَالٍ لَا يُخَالِطُهُ ظُلْمٌ وَلَا غِشٌّ، وَهُوَ الطَّيِّبُ عِنْدَ اللَّهِ
كَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طِيبًا - تَلَقَّاهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ»
الْحَدِيثَ،
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» .
وَلَمْ يَذْكُرِ الطَّيِّبَاتِ مَعَ قَوْلِهِ: (وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) اكْتِفَاء عَنهُ بِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ فِي قَسِيمِهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِالطَّيِّبَاتِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (أَخْرَجْنا لَكُمْ) أَشْعَرَ بِأَنَّهُ مِمَّا اكْتَسَبَهُ الْمَرْءُ بِعَمَلِهِ بِالْحَرْثِ وَالْغَرْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَمْوَالَ الْخَبِيثَةَ تُحَصَّلُ غَالِبًا مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ أَوِ التَّحَيُّلِ عَلَيْهِمْ وَغِشِّهِمْ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِي الثَّمَرَاتِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنَ الْأَرْضِ غَالِبًا.
وَجُمْلَةُ (مِنْهُ تُنْفِقُونَ) حَالٌ، وَالْجَار وَالْمَجْرُور معمولان لِلْحَالِ قُدِّمَا عَلَيْهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، أَيْ لَا تَقْصِدُوا الْخَبِيثَ فِي حَالِ أَلَّا تُنْفِقُوا إِلَّا مِنْهُ، لِأَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ مِنْ خُصُوصِ رَدِيءِ مَالِهِ.
أَمَّا إِخْرَاجُهُ مِنَ الْجَيِّدِ وَمِنَ الرَّدِيءِ فَلَيْسَ بمنهي لَا سِيمَا فِي الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ عِنْدَهُ مِنْ نَوْعِهِ.
وَفِي حَدِيثِ «الْمُوَطَّأِ» فِي الْبُيُوعِ «أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ عَامِلًا عَلَى صَدَقَاتِ خَيْبَرَ فَأَتَاهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَبِيعُ الصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ بِصَاعٍ مِنْ جَنِيبٍ.
فَقَالَ لَهُ: بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا»
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مَنْ كُلِّ نِصَابٍ مِنْ نَوْعِهِ، وَلَكِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ أَنْ يَخُصَّ الصَّدَقَةَ بِالْأَصْنَافِ الرَّدِيئَةِ.
وَأَمَّا فِي الْحَيَوَانِ فَيُؤْخَذُ الْوَسَطُ لِتَعَذُّرِ التَّنْوِيعِ غَالِبًا إِلَّا إِذَا أَكْثَرَ عَدَدَهُ فَلَا إِشْكَالَ فِي تَقْدِيرِ الظَّرْفِ هُنَا.
وَقَوْلُهُ: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)
وَالْإِغْمَاضُ إِطْبَاقُ الْجَفْنِ وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى لَازِمِ ذَلِكَ، فَيُطْلَقُ تَارَةً عَلَى الْهَنَاءِ وَالِاسْتِرَاحَةِ لِأَنَّ مِنْ لَوَازِمِ الْإِغْمَاضِ رَاحَةَ النَّائِمِ
وَيُطْلَقُ تَارَةً عَلَى لَازَمِهِ مِنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ فَيَدُلُّ عَلَى التَّسَامُحِ فِي الْأَمْرِ الْمَكْرُوهِ
فَإِذَا أَرَادُوا الْمُبَالَغَةَ فِي التَّغَافُلِ عَن الْمَكْرُوه الشَّديد قَالُوا أَغْمَضَ عَيْنَهُ عَلَى قَذًى، وَذَلِكَ لِأَنَّ إِغْمَاضَ الْجَفْنِ مَعَ وُجُودِ الْقَذَى فِي الْعَيْنِ.
لِقَصْدِ الرَّاحَةِ مِنْ تَحَرُّكِ الْقَذَى.
وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ جَعْلِ الْكَلَامِ إِخْبَارًا، هُوَ تَقْيِيدٌ لِلنَّفْيِ.
وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ جَعْلِ النَّفْيِ بِمَعْنَى النَّهْيِ فَهُوَ مِنْ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ أَمَا لَا تَأْخُذُوهُ إِلَّا إِذَا تَغَاضَيْتُمْ عَنِ النَّهْيِ وَتَجَاهَلْتُمُوهُ.