(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141)
وَالتَّعْبِيرُ عَمَّا أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فِي (يَمْسَسْكُمْ) لِقُرْبِهِ مِنْ زَمَنِ الْحَالِ، وَعَمَّا أَصَابَ الْمُشْرِكِينَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِبُعْدِهِ لِأَنَّهُ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ.
فَقَوْلُهُ: (فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ) لَيْسَ هُوَ جَوَابَ الشَّرْطِ فِي الْمَعْنَى وَلَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أَغْنَى عَنْهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِيجَازِ، وَالْمعْنَى: إِن يمسكم قَرْحٌ فَلَا تَحْزَنُوا أَوْ فَلَا تَهِنُوا وَهُنَا بِالشَّكِّ فِي وَعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِ دِينِهِ إِذْ قَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ فَلَمْ تَكُونُوا مَهْزُومِينَ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ كَفَافًا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِقِلَّةِ الْمُؤْمِنِينَ نَصْرٌ مُبِينٌ.
وَهَذِهِ الْمُقَابَلَةُ بِمَا أَصَابَ الْعَدُوَّ يَوْمَ بَدْرٍ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ تَسْلِيَةً وَلَيْسَ إِعْلَامًا بِالْعُقُوبَةِ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
(وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ)
والتّمحيص: التنقية والتخليص مِنَ الْعُيُوبِ.
وَالْمَحْقُ: الْإِهْلَاكُ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَسَّ الْقَرْحِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارَ فَاعِلًا فِعْلًا وَاحِدًا: هُوَ فَضِيلَةٌ فِي جَانِبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَزِيَّةٌ فِي جَانِبِ الْكَافِرِينَ، فَجَعَلَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَمْحِيصًا وَزِيَادَةً فِي تَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَاعْتِبَارًا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَعَلَهُ لِلْكَافِرِينَ هَلَاكًا، لِأَنَّ مَا أَصَابَهُمْ فِي بَدْرٍ تَنَاسَوْهُ، وَمَا انْتَصَرُوهُ فِي أُحُدٍ يَزِيدُهُمْ ثِقَةً بِأَنْفُسِهِمْ فَيَتَوَاكَلُونَ يَظُنُّونَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ذَهَبَ بَأْسُهُمْ، عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي ازْدِيَادٍ، فَلَا يُنْقِصُهُمْ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، والكفّار فِي تنَاقض فَمَنْ ذَهَبَ مِنْهُمْ نَفِدَ.
وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْمَوَاعِظِ وَالنُّذُرِ وَالْعِبَرِ قَدْ تُكْسِبُ بَعْضَ النُّفُوسِ كَمَالًا وَبَعْضَهَا نَقْصًا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:
فَحُبُّ الْجَبَانِ الْعَيْشَ أَوْرَدَهُ التُّقَى ... وَحُبُّ الشُّجَاعِ الْعَيْشَ أَوْرَدَهُ الْحَرْبَا
وَيَخْتَلِفُ الْقَصْدَانِ وَالْفِعْلُ وَاحِدٌ ... إِلَى أَنْ نَرَى إِحْسَانَ هَذَا لَنَا ذَنْبًا