فهرس الكتاب
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)
الِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: (أَلَمْ تَرَ) لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّعْجِيبِ، وَقَدْ جَاءَ الِاسْتِعْمَالُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ دَاخِلًا عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ وَالْمُرَادُ حُصُولُ الْإِقْرَارِ بِالْفِعْلِ لِيَكُونَ التَّقْرِيرُ عَلَى نَفْيِهِ مُحَرِّضًا لِلْمُخَاطَبِ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجْهَلُهُ.
وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِهَا بِحَرْفِ إِلَى: الَّذِي يَتَعَدَّى بِهِ فِعْلُ النَّظَرِ.
وَعَرَّفَ الْمُتَحَدَّثَ عَنْهُمْ بِطَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ دُونَ لَقَبِهِمْ، أَعْنِي الْيَهُودَ: لِأَنَّ فِي الصِّلَةِ مَا يَزِيدُ التَّعْجِيبَ مِنْ حَالِهِمْ لِأَنَّ كَوْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ مِنَ الْكِتَابِ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَصُدَّهُمْ عَمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ.
عَلَى مَا فِي هَذِهِ الصِّلَةِ أَيْضًا مِنْ تَوْهِينِ عِلْمِهِمُ الْمَزْعُومِ.
وَتَنْكِيرُ (نَصِيبًا) لِلنَّوْعِيَّةِ، وَلَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَهَاوُنٍ بِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ.
ومِنَ لِلتَّبْعِيضِ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ النَّصِيب، فَالْمُرَاد بِالْكتاب جِنْسُ الْكُتُبِ، وَالنَّصِيبُ هُوَ كِتَابُهُمْ، وَالْمُرَادُ: أُوتُوا بَعْضَ كِتَابِهِمْ، تَعْرِيضًا بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِهِمْ إِلَّا حَظًّا يَسِيرًا، وَيَجُوزُ كَوْنُ مِنْ لِلْبَيَانِ.
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ)
دَلَّتْ (ثُمَّ) عَلَى أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ مُسْتَمِرٌّ فِي أَزْمَانٍ كَثِيرَةٍ تَبْعُدُ عَنْ زَمَانِ الدَّعْوَةِ، أَيْ أَنَّهُمْ لَا يَرْعَوُونَ فَهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يُعْرِضُ غَضَبًا، أَوْ لِعِظَمِ الْمُفَاجَأَةِ بِالْأَمْرِ غَيْرِ الْمُتَرَقَّبِ، ثُمَّ يَثُوبُ إِلَيْهِ رُشْدُهُ، وَيُرَاجِعُ نَفْسَهُ، فَيَرْجِعُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ إِثْرَ الدَّعْوَةِ دُونَ تَرَاخٍ حَاصِلٌ بِفَحْوَى الْخِطَابِ.
فَدُخُولُ (ثُمَّ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَتَوَلَّوْنَ إِثْرَ الدَّعْوَةِ، وَلَكِنْ أُرِيدَ التَّعْجِيبُ مِنْ حَالِهِمْ كَيْفَ يَتَوَلَّوْنَ بَعْدَ أَنْ أُوتُوا الْكِتَابَ وَنَقَلُوهُ، فَإِذَا دُعُوا إِلَى كِتَابِهِمْ تَوَلَّوْا.
وَالْإِتْيَانُ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: (يَتَوَلَّوْنَ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّجَدُّدِ.
وَالتَّوَلِّي مَجَازٌ عَنِ النُّفُورِ وَالْإِبَاءِ، وَأَصْلُهُ الْإِعْرَاضُ وَالِانْصِرَافُ عَنِ الْمَكَانِ.
وَجُمْلَةُ (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ إِذِ التَّوَلِّي هُوَ الْإِعْرَاضُ، وَلَمَّا كَانَتْ حَالًا لَمْ تَكُنْ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ فَكَانَتْ دَالَّةً عَلَى تَجَدُّدِ الْإِعْرَاضِ، مِنْهُمُ الْمُفَادُ أَيْضًا مِنَ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) .
وَقَوْلِهِ: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ)
وَهَذَا الِاعْتِقَادُ مَعَ بُطْلَانِهِ مُؤْذِنٌ أَيْضًا بِسَفَالَةِ هِمَّتِهِمُ الدِّينِيَّةِ، فَكَانُوا لَا يُنَافِسُونَ فِي تَزْكِيَةِ الْأَنْفُسِ.
وَعَبَّرَ عَنِ الِاعْتِقَادِ بِالْقَوْلِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وأنّه قَول مُفْتَرًى مُدَلَّسٌ، وَهَذِهِ الْعَقِيدَةُ عَقِيدَةُ الْيَهُودِ.